محطة24 – سيدي سليمان –  الحسين بوخرطة

 

انعقدت يوم 23 نونبر 2017 دورة استثنائية للمجلس البلدي لمدينة سيدي سليمان، المدينة التي كان يسميها المستعمر “باريس الصغيرة” بفعل رونقها وجمالية مرافقها وشوارعها ومحيطها الفلاحي المزدهر، بطلب من الأغلبية المعارضة، والتي تجاوز عدد أعضائها النصف. وكما تتبع الرأي العام المحلي والوطني (عبر وسائل الإعلام المكتوبة)، لقد خلق هذا الحدث جدالا، يمكن تصنيفه في خانة الجدال الذي يسائل المشرع في شأن الأهداف المرسومة لجعل القانون في خدمة التنمية. فما عرفته مدينة سيدي سليمان، وما تعرفه من اختلال في المسؤولية التدبيرية والانتخابية للمجلس الحالي، يطرح أسئلة محرجة في شأن ربط العمل الحزبي المغربي بالتنمية الترابية وتحسين مستوى عيش المواطنين من خلال ما يسمى بالتمثيل والوساطة: Représentation et Médiation.

ما ميز هذا الحدث، موضوع هذا المقال، هو منطق إعداد جدول أعمال الدورة ارتباطا بالجهة التي دعت إليها، وإشكال الإقالة الحكمية للأعضاء بسبب غيابهم المتتالي أو المتفرق، ودور الدولة عبر سلطة الوصاية في الموضوع. لقد أبرزت التطورات الحاجة إلى مساءلة منطق احترام استقلالية المجالس المنتخبة من طرف الدولة، عبر سلطة الوصاية، ارتباطا بمبدأ الحفاظ على هبة الدولة وتقوية شخصيتها المعنوية في ترسيخ التطبيق السليم للقانون. أكثر من ذلك، المطلوب اليوم هو تحويل هذا الانشغال الدائم إلى آلية لتذييل الصعوبات وإلغاء كل العراقيل التي بإمكانها أن تفرمل المجهود المبذول منذ 1998 في مجال تقوية القناعة الشعبية بدور الديمقراطية ترابيا ووطنيا. أقول هذا، لأن اعتماد المنطق المعاكس في مثل هذه النوازل لا يمكن تفسيره إلا بطرح فرضية وجود نوع من التحيز أو نوع من الدعم غير المباشر لجهة معينة على حساب جهة أخرى. إنه بلا شك الأسلوب غير المقبول في الظرف الزمي الحالي والمغاربة على مشارف نهاية العشرية الثانية من العهد الجديد. فلا يمكن موضوعيا أن يستمر الاعتقاد جماهيريا كون مسلسل اللامركزية هو مجرد مجال للتدافع بين أطراف غير معلن عنها بشكل رسمي، وأن الغاية منه لا زالت لم تتجاوز إشكال الشرعيات بالنسبة للجهات المتدافعة.

لقد طالبت الأغلبية المعارضة برمجة دورة استثنائية لإقالة رؤساء اللجن الدائمة (مع تذكير القارئ أن هذا المطلب تم التعبير عنه في عدة جماعات ترابية بمختلف الأقاليم). أنه الوضع الذي اضطر من خلاله رئيس المجلس، المنتمي لحزب المصباح، الرد بتحديده لجدول أعمال بنقطتين، حيث أضاف نقطة ثانية تتعلق بإقالة حكمية لثمان أعضاء تغيبوا في دورات سابقة ثلاث مرات متتالية أو خمس مرات متفرقة، وقسم هذه الدورة إلى جلستين خصص الأولى للإقالة الحكمية (ليسترجع أغلبيته)، والثانية لإقالة رؤساء اللجن. وأمام هذه النوايا، المعبر عنها من الطرفان، استمرت الجلسة الأولى، حسب تصريحات بعض الأعضاء، من الساعة الحادي عشرة صباحا إلى ما بعد الساعة التاسعة مساء، ليتم في نهاية المطاف التصويت على إقالة رؤساء اللجن بالأغلبية (21 صوت) بتزكية من كاتب المجلس وبرفض من رئيسه الذي تشبث بفهمه كون المعاينة ليست مرادفة لقرار يتخذه المجلس. وما يتوقعه المتتبعون، عقب هذه التطورات، هو اضطرار الدولة للجوء بالتدرج إلى تطبيق مواد أخرى ترتبط بتوقيف الرئيس أو عزله بمعية مكتبه.

وأمام هذا الصراع الجانبي، الذي لا يمت بصلة بالتنمية الحضرية بشقيها الاقتصادي والمعماري والتجهيزي، تعددت ردود فعل الرأي العام بحيث لامست روح القانون وأهداف المشرع، وتمحورت أسئلته حول نقطتين أساسيتين:

  • كيفية إعداد جدول أعمال الدورات الاستثنائية التي لم تتم الدعوة لعقدها من طرف الرئيس؟
  • الغاية من معاينة المجلس للإقالة الحكمية للأعضاء بسبب الغياب؟

قبل البدء في مناقشة الأجوبة على هذين السؤالين والتعقيبات المرتبطة بهما، لا بد من التذكير أن الجهاز الرئاسي للمجلس البلدي لمدينة سيدي سليمان (الرئيس والمكتب وكاتب المجلس ونائبه) قد تأسس، مباشرة بعد إعلان نتائج الاستحقاقات الجماعية السابقة، في جو احتفالي كبير، جابت على إثره السيارات شوارع المدينة مشعلة أضواء الإشارة ومستعملة المنبهات لمدة تفوق الساعة. لقد انتخب السيد الحفياني، عن حزب العدالة والتنمية، رئيسا بدعم من الرئيس السابق السيد هشام الحمداني، بحيث لم يجد حزب إدريس الراضي (الاتحاد الدستوري) أمامه من خيار، على ما يروج ظاهريا، سوى لعب دور المعارضة في مجلس المدينة، ليتمكن بعد ذلك من السيطرة على المجلس الإقليمي، ومن تشكيل معارضة بأغلبية مطلقة بالمجلس البلدي الذي لم يتمكن حزبه من رئاسته في الجلسة الأولى في بداية الفترة الانتدابية. كما أبانت التطورات أن طبيعة الصراع الحالي، وأسباب محاولات تجميد أنشطة الرئيس، لها ارتباط بلا شك بخطط وترتيبات جهنمية غير معلنة بالكامل. إلى يومنا هذا، لم تردد الأغلبية المعارضة، المطالبة بالدورة الاستثنائية، أي اتهام للرئيس بالاختلاس. لقد سجل الرأي العام وجود خلاف قوي في شأن منطق التدبير بدون أن يتمكن من كشف أسبابه الحقيقية لا من هذا الجانب أو ذاك.

  1. إعداد جدول أعمال الدورة الاستثنائية التي لم تتم الدعوة لها من طرف الرئيس

لقد أشار القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات أن الاستدعاء لعقد دورة استثنائية للمجلس الجماعي يمكن أن يكون بمبادرة من الرئيس كلما دعت الضرورة إلى ذلك، أو صادر عن ثلث أعضاء المجلس المزاولين مهامهم على الأقل (الفقرة الأولى من المادة 36 مع ضرورة موافقة الرئيس). في نفس الفقرة أشار المشرع إلى ضرورة إرفاق طلب الثلث السالف الذكر بالنقط المزمع عرضها على المجلس قصد التداول في شأنها، وقبول الرئيس لهذا الطلب، وتقديم التعليلات اللازمة بمقتضى قرار يبلغ إلى المعنيين بالأمر في حالة الرفض (وكأن المشرع هنا ربط مسألة قبول الرئيس بطبيعة النقط المقترحة في جدول الأعمال بضرورة توفره على الأغلبية المطلقة، وبضرورة أن تصب نظريا النقط المقترحة في خدمة مصلحة الجماعة وتنميتها). كما أن الفقرة الثالثة، من نفس المادة، فتشير إلى لزوم عقد هذه الدورة إذا كان الطلب صادر عن الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس، وأضافت نفس الفقرة أن هذه الدورة تعقد على أساس جدول أعمال محدد خلال خمسة عشرة يوما (15) من تاريخ تقديم الطلب مع مراعاة مقتضبات الفقرة الثانية من المادة 38 من نفس القانون.

وكما هو واضح في هذه المادة ومواد أخرى مرتبطة بها، لقد فرق المشرع بين الدورة الاستثنائية التي تعقد بمبادرة من الرئيس، وتلك التي يكون طالب عقدها العامل (ممثل الدولة)، أو ثلث أعضاء المجلس المزاولين مهامهم أو من قبل الأغلبية المطلقة لأعضائه. فالإحالة على الفقرة الثانية من المادة 38، قد أولها البعض كون نقط جدول أعمال الدورة الاستثنائية يجب أن تحددها الجهة التي طلبت عقدها. أما في الحالات الأخرى، أي حالة عقد الدورات العادية والاستثنائية بشكل قانوني بمبادرة رئيس المجلس، فيتم إعداد جدول أعمالها اعتمادا على الفقرة الأولى من المادة 38 “يعد رئيس المجلس جدول أعمال الدورات، بتعاون مع أعضاء المكتب، مع مراعاة أحكام المادتين 39 (إمكانية إضافة النقط من طرف العامل أو من ينوب عنه) و40 (ّإمكانية إضافة النقط من طرف أعضاء المجلس). أما التأويل الثاني، وهو الذي سمحت سلطة الوصاية بتطبيقه ولم تمنعه، فهو الذي يعطي الحق للرئيس بإضافة النقط إلى جدول الأعمال كيف ما كانت طبيعة الدورة.

إن هذا الخلاف في التأويل هو في واقع الأمر مصدر جدال قد يصبح عقيما ومكلفا من الناحيتين المادية واللامادية ترابيا كما وقع في حالة سيدي سليمان. فموازاة مع هذا الجدال الحاد بكل المقاييس، راج في أوساط الطبقة المتنورة نقاشا إضافيا آخر تطرق إلى مسـألة الآجال، أي المدة التي تفصل تقديم طلب برمجة الجلسة الاستثنائية وتاريخ انعقادها الفعلي. لقد استحضر المتتبعون منطوق المادتين 36 و38 من نفس القانون، بحيث اعتبر الفريق الأول أن هناك تناقضا واضحا في المادتين معتبرين أن عملية تبليغ العامل، حسب المادتين، ستتم قبل تقديم طلب عقد الدورة الاستثنائية (تنعقد الجلسة خلال 15 يوما من تاريخ تقديم الطلب في المادة 36، ويبلغ رئيس المجلس جدول أعمال الدورة إلى عامل العمالة أو الإقليم عشرون يوما (20) على الأقل قبل تاريخ انعقاد الدورة في المادة 38). أما الفريق الثاني فيربط الأجل في المادة 36 (15 يوما) بتحديد جدول الأعمال الذي لم تشترط الفقرة المعنية أن يكون مرفقا بطلب عقد الدورة السالف الذكر.

وأمام هذا الغموض المثير للجدل، يرى العديد من الفاعلين المحليين أن القانون كلما كان واضحا بجمله وتعابيره، كلما كانت قراءته واضحة ومفهومة، وكلما كان الحسم في المشاكل سريعا. فكلما تم اعتماد الدقة في كتابة مواد القانون بشكل لا يترك مجالا إلى تعدد التأويلات، كلما تيسرت آليات اتخاذ القرار وضمان تسخير المقتضيات القانونية لتحقيق التنمية بوثيرة أسرع.

  1. الإقالة الحكمية لأعضاء المجلس ومسألة المعاينة

حسب تصريحات الرئاسة، لقد تم فرز الغياب غير المبرر للأعضاء على أساس سجل الحضور (المادة 67)، وتأكد له أن ثمانية أعضاء هم مقالون حكميا، منهم من تغيب ثلاث دورات متتالية، ومنهم من تغيب خمس دورات متفرقة، وأصر على إضافة نقطة ثانية في جدول أعمال الدورة لمعاينة المجلس لإقالتهم.

ونظرا لحدة الخلاف والصراع، تقرر عقد هذه الدورة بشكل مغلق بالخزانة البلدية، وامتد زمن عقدها ليتجاوز عشر ساعات. لقد طرحت المعارضة مسألة الاستدعاء للدورات وآليات تبليغه، وأشارت الرئاسة أن غياب الأعضاء بدون مبرر هو أمر مثبت ومسجل في محاضر الدورات، وطرح الرأي العام إشكال السماح بحضور الأعضاء المقالين بحكم القانون في الدورات اللاحقة للدورة التي كان يجب الحسم في إقالتهم، متسائلين عن دواعي تعطيل تطبيق المادة 67 وخصوصا فقرتها الأخيرة. لقد اعتبر القانون بوضوح كون حضور أعضاء مجلس الجماعة دورات المجلس أمرا إجباريا، وأن كل عضو لم يلب الاستدعاء لحضور ثلاث دورات متتالية أو خمس دورات متفرقة دون مبرر يقبله المجلس، يعتبر مقالا بحكم القانون، ويجتمع المجلس لمعاينة هذه الإقالة (هنا المشرع يفترض توفر الرئيس على الأغلبية المطلقة أو يفترض الموضوعية والمسؤولية السياسية في عمل المنتخبين). كما يتعين على رئيس المجلس مسك سجل للحضور عند افتتاح كل دورة، ويجب أن يعلن عن أسماء المتغيبين. وجاء في الفقرة الأخيرة من نفس المادة ما يلي (مادة تثير التأويل والجدال كذلك وتطرح إشكالية التدقيق في القوانين): “يوجه رئيس المجلس نسخة من هذا السجل إلى عامل العمالة أو الإقليم أو من يمثله داخل أجل خمسة (5) أيام بعد انتهاء دورة المجلس، كما يخبره داخل الأجل نفسه بالإقالة المشار إليها أعلاه. كما طرح المتتبعون مدى الالتزام بالدقة واليقين في تطبيق رئاسة المجلس للمادة 35 من نفس القانون الخاصة باستدعاء الأعضاء لحضور الدورات (احترام الأجل، التأكد من وصول الإشعار مرفقا بالوثائق القانونية المطلوبة، التوفر على جدادة معلومات المنتخب موقعة من طرفه وتتضمن عنوان المراسلة الرسمي، وبريده الالكتروني المكتوب بالحروف والعلامات البارزة، اللجوء إلى المفوضين القضائيين لتأكيد تسليم الاستدعاءات، إرسال الدعوات بالإشعار بالتسلم عبر البريد،….).

خاتمة

المؤكد أن مدينة سيدي سليمان الأبية المناضلة، لا تستحق أن يعيش مجلسها هذا الصراع العقيم. أبناء المدينة، الفاعلون في مختلف المستويات الترابية في القطاعين العام والخاص، والنشيطين في مجالات العمل السياسي والجمعوي والإعلامي، لا يمتلكون إلا التنديد بهذا الجمود الذي يميز مجلس مدينتهم العزيزة عليهم. كما يطالبون الدولة بإعادة فتح النقاش في القوانين التنظيمية الخاصة بالجماعات الترابية بالشكل الذي يجعل القانون بتفاصيله ووضوحه في خدمة التنمية. إن سلطة الوصاية يجب أن تلعب الدور المطلوب في قيادة التغيير من خلال تقوية الخبرة وتوفير شروط القيادة على مستوى العمالات والأقاليم. إن اختلالات تدبير شؤون المدينة يسائل الجميع خاصة الأحزاب السياسية الوطنية والدولة (الفاعلون في مجال التشريع والمراقبة الصارمة لتطبيق القانون). فما معنى أن يتم الحديث في إطار الدستور الجديد عن حضور أعضاء تغيبوا لثلاث مرات متتالية أو خمس مرات متفرقة جلسات لاحقة بعد صنفوا قانونيا في خانة المقالين حكميا، وما معنى أن لا تتوفر الرئاسة عن آليات إثبات الغيابات بدون مبرر، وما معنى عدم التدقيق القانوني في الجهة التي يحق لها إعداد جداول أعمال الدورات الاستثنائية،…..إلخ.

تعيش المدينة هذا الجمود والساكنة تنتظر أن يصبح مجالها الحضري جذابا بمرافقه (نوادي للرياضات المختلفة وللفنون الراقية من موسيقى وغناء ومسرح وسينما، …. ) بالشكل الذي يشجع على استقرار الطبقة الوسطى والغنية، ومشجعا على الاستثمار وجالبا لرؤوس الأموال والخدمات، ومشجعا على فتح أباب المراكز الثقافية واللغوية للدول المتقدمة.