محطة 24: أحمد بيضي

رغم الحصار المضروب عليها، تمكنت “جماعة العدل والإحسان” بخنيفرة، من تخليد الذكرى الخامسة لرحيل مرشدها عبد السلام ياسين، بأمسية حوارية في موضوع “مركزية القضية الفلسطينية في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية”، ويهدف إلى تسليط الضوء على مختلف أوجه هذه القضية تزامنا مع القرار الأخير للرئيس الأمريكي ترامب بشأن القدس، وحضر الأمسية، إلى جانب عدد من المنتمين للجماعة والمشتغلين في حقل الإعلام، عدد من المدعوين من الفاعلين في الساحة السياسية والنقابية والجمعوية والحقوقية، حيث تفاعل المدعوون بجدية مع موضوع اللقاء الذي أبدع في تسييره الناشط الجمعوي إبراهيم بشر، ولم يفته فيه وضع الحضور في دلالة ومناسبة هذا اللقاء المتميز بعرضين للأستاذين عبدالكريم لمسلم وجبران زازيد، وبشريط تم عرضه بالمناسبة حول محطات أساسية من حياة الشيخ ياسين.

ومن جهته، اعتبر ذ. عبدالكريم لمسلم اللقاء شكلا من جلسات البوح مع الذات والآخر في سبيل بناء ما يمكن من الجسور، قبل تركيزه على شخصية المرشد عبدالسلام ياسين الذي “استطاع أن يؤسس فكرا دينيا متجددا من أجل الإنسان والقيم”، و”مشروعا فكريا سياسيا ساهم في جعل من الإسلام دين حوار واختلاف”، معتبرا إياه “متصوفا بكل طهارة وجلال التصور”، كما أعلن ذ. لمسلم عن اعتزازه بالإسلام السني في المغرب كتوجه مناهض للعنف والتطرف، معتبرا “الإسلام عكس بعض الإيديولوجيات التي اندثرت ليظل مستمرا قائما لأزيد من 14 قرنا، قبل تطرقه لموضوع اللقاء الذي اعتبر من خلاله القضية الفلسطينية قضية وُلدت في أرض للديانات الثلاث، و”ما إسراء ومعراج الرسول عليه السلام إلا أقرب دليل على رمزية ودلالة المكان”، داعيا علماء المسلمين القطع مع التكفير والتطرف بمناقشة القضية الفلسطينية بأسلوب ديمقراطي يؤمن بالاختلاف.

ولم يفت ذ. لمسلم بالتالي التنديد بسياسة الحركة الصهيونية التي رأى “أنها وُلدت بالتزامن مع ولادة القومية العربية والخيانة العربية”، كما انتقد أنظمة دول الطوق باعتبارها “بائعة فلسطين”، والتي “قتلت من أعداد الفلسطينيين ما لم تقتله إسرائيل”، وبينما أكد على موقفه الفاصل بين الصهيونية واليهودية، حيى الشعب الفلسطيني “الذي صمد قرنا من الزمن وما يزال منتشيا بحبه لأرضه وقضيته وهويته”، دون أن يفوته تشريح الوضع الفلسطيني من زاوية رأيه، وذلك من خلال توقفه للحديث عن الخيانة العربية وتشتت الفصائل الفلسطينية، والقول ب “أنه لا حل إلا بتخليص القضية الفلسطينية من التحليلات المهزوزة ومن الأيادي الامبريالية”، وجعلها قضية إنسانية صرفة وليست دينية بالمنظور الضيق.

ومن جهة أخرى، تناول ذ. لمسلم موضوع الهجرات اليهودية من الدول العربية، في إشارة واضحة إلى مساهمة هذه الدول في تهويد فلسطين، وكيف أن الشعوب العربية وحدها تناضل من أجل القضية عكس الأنظمة، في حين رأى بأن “الفلسطينيين ليسوا وحدهم من يعاني الرعب في فلسطين بل حتى اليهود أنفسهم”، و”أن القناعات الثقافية أخطر من القناعات السياسية التي تتغير بتغير الظروف والمراحل والمناسبات”، على حد قوله.

أما ذ. جبران زازيد فانطلق بمداخلته من العامل الثابت في القضية الفلسطينية، وقال بعدم فهمه لأي شخص “يدعي النضال من أجل الكرامة والحرية وفي الوقت ذاته يتناقض مع هذا المبدأ من خلال تنكره للقضية الفلسطينية”، وذلك كمدخل للحديث عن هذه القضية من خلال ثلاث وثائق، قام بشرح خلفياتها بالتفصيل، وهي اتفاقية سايس بيكو ووعد بلفور وصك الانتداب البريطاني، ومبرزا ظروف “ميلاد القضية في مختبرات السياسة الدولية لتبقى عالقة مدى الدهر، رغم علم الجميع بالكثير من الإشكالات والقضايا الدولية التي تم حلها وتحريرها باستثناء القضية الفلسطينية”، في حين أعرب عن أسفه حيال العقبات التي وصفها بالعراقيل، ومنها أساسا الصراعات الفلسطينية – الفلسطينية، والعربية – العربية، إضافة إلى العوامل الدولية، كما قال بأن حركة التحرير هي الوحيدة التي وجدت نفسها محاصرة بين ما هو عسكري وما هو استيطاني.

وارتباطا بالموضوع، تطرق ذ. زازيد للمؤسسات الدولية التي تخاذلت بكل ألوان التواطؤ المكشوف، ومنها أساسا “منظمة الأمم المتحدة التي ظلت كل قراراتها حبرا على ورق”، ولا أقلها مثلا القرار الذي يعتبر الصهيونية شكلا من أشكال الميز العنصري، علاوة على مجلس الأمن الذي أصدر المئات من القرارات وبقيت دون تنزيل أو تفعيل، كما تطرق المتدخل لمؤسسة دولية أخرى، وهي وكالة غوت اللاجئين التي عمدت إلى “تغيير المناهج التربوية الموجهة للتلاميذ الفلسطينيين”، كما أشار ل “الحكام العرب” الذين لا يجتمعون إلا لاتخاذ قرارات لا تسمن ولا تغني من جوع، ثم للمفاوضات التي قال بأنها لا تنتهي إلا بما يرضي المنتظم الدولي المعادي لتطلعات الشعب الفلسطيني.

وزاد المتدخل فتطرق إلى ما أسماه بغياب النظرة الإستراتيجية لدى الفلسطينيين، مشيرا إلى حالة التموقع مثلا في “السلطة الفلسطينية”، مشبها إياها بمن يضع رقبته في المشنقة، بالنظر لما تشترطه من خضوع وانضباط للقرارات الدولية، وعلى مستوى آخر أوضح ذ. زازيد أن قرار ترامب “لم يكن وليد الأيام الأخيرة بل يعود إلى ما قبل عقدين من الزمن، ولم يجرؤ أي رئيس أمريكي سابق على تطبيقه رغم الوعود التي كانوا يوزعونها على اللوبي اليهودي بأمريكا خلال الحملات الانتخابية”، كما لم يفت المتدخل ربط بعض أقوال ترامب بأقوال لهرتزل وبن غوريون حول حق إسرائيل في الوجود كواحة ديمقراطية في صحراء الشرق، وتطرق أيضا لعمليات تمويل حملات ترامب الانتخابية من طرف اللوبي الصهيوني والكنيسة الإنجيلية، في حين دعا الشباب إلى الوعي بالقضية الفلسطينية كقضية مركزية وطنية.

وقبل تدخلات الحضور، تميز اللقاء بمشاركة الشاعرة مالكة حبرشيد التي ألهبت المكان حماسا وتفاعلا بقصائد لها، وقرأت “شجرة الحنين التي تحفظ كتب الأسلاف وتجمع المساءات الحزينة بجذورها المضروبة في كل الأذهان وعتمة الأرض”، وقصيدة ثانية حول “الرب الذي في قلعته يصادر الأدعية ويوزع التحايا”، في حين لم يفت شاعر المعطلين، عبدالعزيز أمزاز، إتحاف فضاء اللقاء بقصيدة حول القدس الوجع الممتد عبر السنين.