محمد مقصيدي (*)

 

“الحياة بلا موسيقى خطأ فادح”، هكذا كتب نيتشه ذات يوم.

كيف كان سيكون العالم دون موسيقى؟ حتى الأرواح الأكثر تشاؤما، لا يمكن أن تسعفها المخيلة لترسم صورة لذلك. إنها الحبل الذي يشدنا إلى الكينونة عندما تبدأ كل مرادفات الحياة في التلاشي لتعيدنا إليها. ومن زواج الموسيقى والشعر ولدت الأغنية. ومن رحم الكلمة واللحن تتشكل طبقات دائرية لانهائية من الحلم. طبقات من الجمال حيث ملاذ أرواح تائهة في مدارات الوجود تبحث عن الفرح. حتى الأغاني الأكثر حزنا هي منبع للسعادة دون شك.

كم هو حزين وطن بلا أغنيات. بل هل الوطن وطن دونها. لذلك لا نستغرب أن يكون لكل بلد في عصرنا الحالي نشيده الوطني وأغانيه الوطنية. وكم هو مؤلم في العصر الراهن أن تتحول الأغنيات إلى سلعة للاستهلاك السريع، وكم هو مؤلم أن تبتعد الموسيقى عن الشعر. ولأن الموسيقى نقيض الفناء، فلقد استمر الشعراء في الوقوف جنبا إلى جنب مع الموسيقيين مؤسسين معا مزارع أمل في شرايين العالم.

 خديجة برعو: عندما تتحول الكلمات إلى طائر أزرق يرقص

إن أغنية “المغرب الحبيب”، التي كتبت كلماتها الشاعرة الغنائية خديجة برعو، هو امتداد للكلمات التي تنبع من أعماق الذات من أجل أن تعانق الكائنات، ففي الوقت الذي يتوجه فيه معظم كتاب الأغنية المغربية إلى النزول بالجمل الغنائية إلى درجة ينتفي معها كل أثر للمعنى، فإن الشاعرة خديجة برعو أصرت أن ترتكن إلى المعنى الشعري وإلى جماليات المكان مستحضرة مجموعة من المفاهيم كالوطن والهوية والانتماء والجذور، وهو ما يمكننا من وضع الأغنية في خانة الأغاني الوطنية بامتياز.

ولا بد من الإشارة إلى أن الشاعرة الغنائية خديجة برعو لم تتوجه إلى أراضي الأغنية الوطنية كتجربة فنية وجمالية منعزلة، بل أن صوتها الشعري كان منذ البدايات ملتصقا بقضايا الإنسان مما يجعلنا نقول أنها أحد الأصوات الشعرية النسائية المغربية التي تضع مبدأ الالتزام الفني والشعري كركيزة أساسية ظلت تنصت من خلاله للواقع وتشتغل بأدواته. فلقد سبق على سبيل المثال أن كتبت كلمات أغنية ” سيدة الأعالي” التي أدتها الفنانة المغربية القديرة كريمة الصقلي، وقصيدة” باسم الحرية” حول موضوع تعايش الأديان، كما كتبت العديد من الأغنيات للمسرح كأغاني مسرحية ” دار الحضرة” للمخرج محمد زيطان مثالا. وكتبت أيضا هذه السنة أغنيتي “حيرانة” و “سمرا” وهما في طور الإنجاز.

إن اللغة السائلة والحريرية التي تكتب بها الشاعرة لها من السلاسة ما يجعلها تصل إلى المتلقي بشكل أنيق، وهذه أيضا أحد مكامن القوة للكتابة، وطبعا فإن مثل هذه الميزة لا يمكن أن تصدر إلا عن شاعر له اطلاع على العديد من الفنون والحقول المعرفية، ولا يخفى علينا في هذا الصدد ثقافة الشاعرة خديجة برعو التي تمتح من كل الأشكال الفنية من تشكيل، ومسرح، وسينما… ويجذر بنا الذكر هنا أن الشاعرة قد ترأست لجنة تحكيم المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بخريبكة في دورته التاسعة، كما شاركت كعضو تحكيم في مهرجانات سينمائية أخرى، ويكفي أن نشير أيضا إلى تتويج السيدة خديجة برعو سنة 2018 من طرف نادي الصحافة وجمعية أجيال المستقبل للتربية والتنمية كامرأة السنة…

 

 مراد بوريقي : أداء على طريقة الزمن الجميل

مراد بوريقي، هذا الفنان القادم من مدينة الحلم والأساطير، آسفي النائمة على خصر المحيط، والذي تتلمذ في حقل الغناء بداية على يد والده، ومارسه منذ صغره مع مجموعة الموشحات العربية. ها هو اليوم مع كل خطوة يخطوها يؤكد أن كل الجوائز التي نالها ومن ضمنها جائزة “ذي فويس” سنة 2012 كأحلى صوت، وكل المشاركات العربية كانت عن جدارة واستحقاق…

إن أداء المغني مراد بوريقي لأغنية “المغرب الحبيب”، يرسم بلا شك مسار فنان يحمل دم أبولون في عروقه، صوت يجعل المتلقي يسافر في ملكوت الكلمات واللحن دون حواجز. ونحن نستمع للأغنية نرفع القبعة له عاليا، ونقول بصوت عال أن الأغنية المغربية ما زالت بخير.

 رشيد زروال: الملحن الذي يروض الألحان كما يفعل مربي النمور والدببة

ولم تكن أغنية “المغرب الحبيب”، لتكون بهذا الرونق والمتعة، لولا اللحن الجميل الذي وضعه الملحن المغربي رشيد زروال، أحد الأسماء التي نحتت اسمها بقوة في المشهد الغنائي المغربي، الملحن رشيد زروال الذي تحس وكأنه يروض الألحان والكلمات كما يفعل مربي النمور والدببة، فتأتي الألحان والكلمات وديعة كأنها خرجت إلى الوجود في نفس الوقت من أجل بعضها البعض.

لقد نجح رشيد زروال إلى حد كبير، بل أخذ الكلمات إلى مستوى آخر من الصفاء واللذة الروحية عبر إيقاعات متناغمة، وكأنه يأخذ بيد المستمع إلى عالم غير العالم، لقد تمكن بإحساس الفنان المرهف أن يحول الكلمات إلى مشاعر سرمدية.

(*) كاتب مغربي