بقلم الحسين بوخرطة

 

مباشرة بعد هدم جدار برلين، دخل العالم مرحلة عولمة اقتصاد السوق وحرية حركية السلع والخدمات، والدخول في مسلسل تطوير القوانين في مجال الهجرة الدولية خصوصا ما بين الشمال المتطور والجنوب المتعثر. لقد تطورت التفاعلات السياسية والاقتصادية والثقافية إلى أن تفوقت اليوم النزعة الاقتصادية في العالم على باقي النزعات السياسية والإيديولوجية. لقد اندثر الصراع ما بين المدافعين عن الملكية العامة لوسائل الإنتاج (النزعة الاشتراكية) من جهة والمدافعين عن الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج (النزعة الرأسمالية الليبرالية). لقد تطورت الأوضاع إلى أن برز بالملموس وجود مؤشرات جديدة في عالم اليوم تجسد حدوث تجاذبات وتفاعلات بمنطق جديد ما بين روسيا البوتينية وأمريكا الترامبية. إن عدد كبير من المتتبعين يقرون اليوم بوجود مؤشرات ترجح فرضية وجود مسار محادثات روسية-أمريكية لتشكيل حلف جديد لقيادة العالم على أساس تغليب التفاوض في شأن المصالح الاقتصادية ما بين البلدين، مع حرص الجانبين بعدم السقوط في وضعيات تأزيم العلاقات الدبلوماسية على غرار الحرب الباردة السابقة.

إن تطور الأحداث الدولية منذ بداية الحديث عن الفوضى الخلاقة وبناء شرق أوسط جديد يبرز وجود نوع من الترابط في المنطق السياسي لحدوثها، الشيء الذي يرجح، كما سأبين في النقط أسفله، كون ما يقع وسيقع ما هو إلا تجسيد لحدوث توافقات سياسية ما بين القوى الدولية في شأن خيارات معينة تندرج في إطار خططها الجيواستراتيجية لتقاسم المصالح في العالم.

  • لقد ابتدأ هذا المسار بالحديث سياسيا عن القيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان الكونية، والترويج الإعلامي لمواجهة ومناهضة الديكتاتورية،
  • لقد كان حدث إسقاط نظام صدام احسين، وحل الجيش العراقي بتدخل أجنبي، محطة بارزة في تاريخ الشرق الأوسط،
  • كما اشتد الحديث عن محاربة الإرهاب مع ظهور “داعش” لتعم الفوضى في عراق ما بعد صدام، وفتح المجال للحديث عن الامتداد الشيعي الإيراني في المنطقة (في العراق ولبنان واليمن وبشكل أقل في باقي الدول المشرقية)، ليصبح الحديث عن الصراع السياسي السني – الشيعي شائعا في مختلف المنابر الإعلامية الدولية، بحيث تم الاستثمار بقوة في هذا المجال من أجل جعل هذا المنتوج السياسي سهل الاستهلاك شعبيا إلى درجة حدوث انقسام في الصف الفلسطيني، وعرقلة بناء الديمقراطية في العراق،
  • مع إعلان أوباما القضاء على أسامة بلادن في الباكستان، قل الحديث عن القاعدة إلى أن اندثر كليا لتركز الآلة الإعلامية الدولية على الكيان الجديد “داعش”،
  • اشتعال الثورات في سياق ما يسمى بالربيع العربي وتم إسقاط الرئيس مبارك في مصر، وبن علي في تونس، والقذافي في ليبيا،….
  • انطلقت الاحتجاجات في سوريا سلمية من درعا والقنيطرة وريف دمشق وريف حلب (نعتت في بدايتها بانتفاضة ديمقراطية شعبية على أساس مطالب اجتماعية)، وكان من ضمن قيادييها مفكرين وسياسيين كبار، إلا خلق الجيش الحر من عدد كبير من الفصائل (أكثر من عشرين فصيل) من طرف الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا بدعم من الأردن وقطر، حول الصراع إلى حرب عسكرية (حلت لغة السلاح مكان لغة النضال السلمي والمقاومة). وبذلك يدفع عدد من المتتبعين بكون عملية مناهضة نظام الأسد لم تكن عفوية، وأن وراءها أياد خفية. فعلا، لقد كان قرار تكوين الجيش الحر ودعمه مشروطا بعدم تهديد الأمن الإسرائيلي،
  • دخلت روسيا إلى حلبة الصراع من باب الدعم المباشر لنظام الأسد، وصادف ذلك حاجة المشروع الإيراني الشيعي إلى دعم خارجي لحماية الأمن القومي للنظام الإيراني، الشيء الذي كان وراء تشكيل حلف روسي-إيراني-سوري مدعوم بحزب الله اللبناني،
  • وصل ترامب إلى رئاسة أمريكا، وفاز بوتين بامتياز في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في روسيا، وأعطيت الانطلاقة إلى التفاعلات بين القوتين الدوليتين، وساد خبر هنا وهناك كون العالم يعرف ولادة حلف جديد لقيادة نظام عالمي جديد بمنطق اقتصادي وسياسي جديد (منطق الدولة القوية). لقد فطن الديمقراطيون التوجه الجديد غير المعلن عند الجمهوريين، وتم إعلان بشكل مباشر تدخل روسيا في الانتخابات الأمريكية لصالح ترامب،
  • قرر ترامب الخروج من الاتفاق النووي ومحاصرة النظام الإيراني، وقرر بالموازاة، على أنقاض الأسس التي بنيت عليها التجارة الكونية الحديثة، الرفع من الرسوم الجمركية على منتجات الصلب والألمنيوم، وخلق منظومة سياسية للحصص والإعفاءات للمحليين والدول،
  • تمكن الروس من الهيمنة على الملف السوري سياسيا وميدانيا، واشتد الضغط العسكري على المعارضة في جنوب سوريا إلى درجة قبول فصائلها التفاوض في شان تسليم أسلحتها الثقيلة والخروج من المناطق في جنوب درعا،
  • دول حلف شمال الأطلسي تقف ضد روسيا في موضوع شبه جزيرة القرم، وترامب يدعم الرئيس بوتين، وتم إعلان تنظيم قمة هلسنكي في 16 يوليوز المقبل ما بين القائدين،
  • تدهور العلاقات ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا بفعل الرسوم الجمركية وبسبب الخلاف في شأن الملف النووي الإيراني. لقد وصل الخلاف إلى درجة إعلان ترامب كون الاتحاد الأوروبي في طريق النهاية،
  • تم إعطاء الانطلاقة لمسار المفاوضات في شأن الملف النووي لشمال كوريا وتم عقد قمة ما بين ترامب وكيم جونغ اون في سنغفورة (تحت المضلة الروسية بلا شك)،
  • انقلاب في الموقف الأردني الذي أصبح يؤيد سيطرة النظام السوري على الجنوب، بعدما كان من المدعمين للمعارضة السورية،
  • روسيا تعاملت إيجابيا مع المطالب الأمريكية والإسرائيلية بضرورة خروج القوى الأجنبية من سوريا، وبالتالي ضمان شروط تسريع مسلسل التسوية في هذا البلد المنهار،
  • والصراع على أشده في الجنوب السوري، بات التنسيق والتفاوض الإسرائيلي مع الروس متواصلا ويتم على مدار كل ساعة خاصة فيما يتعلق بحماية حدودها مع سوريا ومنع أي انتشار عسكري في المنطقة المنزوعة السلاح بالجولان،
  • الظروف الداخلية لإيران تزداد تأزما يوما بعد يوم، وهوامش مفاوضاتها مع الغرب تتقلص نتيجة الحرب الاقتصادية والسياسية التي يشنها ترامت عليها منذ توليه رئاسة بلاد العم سام،
  • ….إلخ.

اعتبارا لما سبق يتضح أن القوى الدولية، بقيادة الروس والأمريكان، قد تمكنت من القضاء على عدد كبير من المتطرفين الإسلاميين بعدما فتحت لهم الأبواب من كل الجهات لدخول سوريا (غاب اليوم الحديث كليا عن القاعدة وقل بشكل ملموس عن داعش)، وتم تحطيم المعمار السوري (وكذا العراقي واليمني والليبي …)، وسيتم إعلان بداية مرحلة إعادة الإعمار بعد الحسم النهائي في الملف السوري. عدد كبير من المنابر الإعلامية العالمية تتحدث عن انتصار سياسة واشنطن وموسكو وتل أبيب، لتبقى خيارات المرجعية الإيديولوجية لقيادة العالم سياسيا واقتصاديا مفتوحة للنقاش.