بقلم خليل علا

 

إن الهجرة كانت دائما جزءا من الحياة المعيشية فهي تبرز في سياقها المعولم الجديد وفق إنتظارات ذات بعد إقتصادي و إجتماعي ثم سياسي. لقد كانت دوافع تنقل البشر دئما تحت ثأتير إنعدام التنمية كعامل أولي ثم التغييرات المناخية و الأزمات السياسية كعامل ثانوي. ومن هنا يطرح السؤال حول الغاية من تحقيق العدالة الإجتماعية لإستيعاب ظاهرة الهجرة في معناها الشمولي .

إن موضوع العدالة الإجتماعية كان و لا يزال يشكل غاية لجميع الشعوب، لكنها قوبلت أحيانا بنوع من التصدي ليس من الأنظمة السياسية فقط بل حتى من اللوبيات الإقتصادية الفاعلة لدى الدول التي كانت دائما تضع مصلحتها كشرط أساسي لسير العجلة الإقتصادية.

إن العامل الإقتصادي يعتبر من أهم الدوافع التي ثؤثر في الفرد قصد التفكير في الإنتقال و الهجرة من أجل تحسين الوضع المادي و الإجتماعي، و قد أضحى هذا العامل في العصر الحالي مطلبا عند جميع طبقات المجتمع لدى الدول التي تعرف تعثرا في نموها الإقتصادي، فالهجرة قد تكون مطلبا إجتماعيا عند الطبقات الهشة التي تسعى فقط لتخطي عتبات الهشاشة و الفقر، كما أنها أضحت مطلبا أساسيا عند بعض النخب ( هجرة الأطر و الأدمغة) التي تعاني في بلدانا من أزمة تأهيل الأطر و إنسداد الأفق، و كذلك عند ما يسمى الطبقات المتوسطة التي غالبا ما تختار وجهة للهجرة عكس هجرة الفئات الهشة، و التي قد تغريها بعض العروض الوظيفية التي تضمن لها حياة أفضل و رقي إجتماعي مما هي عليه في بلدانها.

و هنا يجرنا الحديث إلى أن طبيعة الأنظمة السياسية التي تحكم الدول المصدرة للهجرة غالبا ما تشهد إنعدام تطبيق مفهوم العدالة الإجتماعية من جهة و إنخفاض نسب النمو الإقتصادي ، و كذا غياب توزيع عادل للثروات. إذ كيف نفسر أن جل البلدان المصدرة للهجرة هي في نفس الوقت بلدان تمتلك لثروات وطنية هائلة.

وهذا مايفسر أن هاجس إرتفاع الهجرة من دول الجنوب نحو دول الشمال التي تشهد تراكم ديمقراطي و الذي ساعدها إلى حد كبير في الحفاظ على التماسك الإجتماعي رغم الصعوبات الإقتصادية التي مرت منها في السنوات الأخيرة، قد تكاد تكون لدوافع إقتصادية منبثقة عن غياب عدالة إجتماعية، و يتضح ذلك من التباين الكبير في المستوى الإقتصادي و التنموي بين الدول المصدرة للهجرة و التي تفتقر لسياسات حقيقية للتنمية و غياب تكافئ الفرص و إرتفاع البطالة و عدم إرساء أرضية ناجعة للحماية الاجتماعية لفئات واسعة من تلك المجتمعات، بحيث أن الهشاشة لا تقف عند الوصول إلى الحد الأدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بل تصل إلى تحقيق نوع من العدالة الأجرية و العدالة الجبائية و ذلك لخلق نوع من التوازن في مقابل الإرتفاع المهول لمستويات المعيشة .

لقد أصبحت الحاجة ملحة إلى البحث عن أنماط جديدة للتنمية كما نصت على ذلك أهداف قمة الأمم المتحدة للألفية الإنمائية سنة 2000 و التي صادقت عليها 189 دولة، و التي تقوم على مرتكزات من شأنها تلبية احتياجات المواطنين من العيش الكريم و المساواة و نبذ كل أشكال التمييز، بغية الوصول لأهداف التنمية المستدامة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية مجتمعة، و التي من شأنها الحد من التباينات الأساسية (التي سبق تناولها) وخلق التوازن الاقتصاد الحقيقي بين الأغنياء والفقراء، وبين رأس المال و الطبقة العمالية، وتحقيق أهداف العمل اللائق للجميع وانتهاج سياسات عامة تعالج جذور النمو الغير المجدي، من خلال تدعيم إطار الاستثمار المنتج، وجعل النظام المالي في خدمة الاقتصاد الحقيقي، وتطوير أسواق العمل كي تصبح أسواقاً شاملة وعادلة.