الجريمة الاقتصادية

0

بقلم نور الدين العوفي


الجريمة الاقتصادية، في التعريف القانوني، هي كل” فعل مادي، أو امتناع عن فعــل” يترتب عنه النَّيْلُ بالاقتصاد العمومي والإضرار بالتنمية الوطنية.

وتُحدِّد التشريعات المسؤولية الجنائية، الذاتية أو الاعتبارية، والعقوبات المقابلة لها. ومن بين الجرائم الاقتصادية التي ينص عليها القانون المغربي تلك المتعلقة، على سبيل المثال، بتهريب النقود وتزييفها، وتبييض الأموال، والتجارة بالمخدرات، والخداع والغش في المواد الاستهلاكية، أو بيعـها بسعر أعلى من قيمتها، وبصفة عامة كل ما من شأنه أن يمس بالسلامة الاقتصادية، وبالتوازن الاجتماعي.

تحت هذا التعريف القانوني للجريمة الاقتصادية تنْدرِج جُلُّ، ولا أقول كُلُّ، السياسات الاقتصادية التي يفرضها صندوق النقد الدولي فرضاً على البلدان النامية مقابل الاستفادة من القروض. ما سُمِّي “انتفاضات الخبز” التي اندلعت بصفة عفوية، ومباشرة في بعض البلدان، ومنها المغرب، ما هي إلا رجع الصدى لسياسة التقشف الصارمة، الجائرة، العقيمة، المُقيِّدة للنمو، الهالكة للأغلبية الشعبية، الضارة بالأمن الاقتصادي، والمزعزعة للاستقرار السياسي. كل المواصفات المُكَيِّفة للجريمة الاقتصادية المكتملة الأركان متوافرة، حاضرة، تُغْني عن القرينة والإثبات. 


خلال المهمة التي قام بها صندوق النقد الدولي من ١٩ مارس إلى ٣ أبريل ٢٠١٩، في إطار “المشاورات الدورية” مع الحكومة المغربية حول خط السيولة والوقاية الجديد (بقيمة ثلاثة ملايير دولار)، اطَّلَع (الصندوق) على “حالة المغرب”، بعد أن طلب الكشف عن الوضعية المالية (معدل النمو، نسبة عجز الميزانية، نسبة التضخم، نمو القروض، عجز المعاملات التجارية، مستوى الدين العمومي، إلى غير ذلك من المعطيات التي لا يحصل عليها المواطن ولو بشق النفس).


لنتخيل المشهد المُثير، مشهد الحساب الذي لا يخلو من المحاسبة. يكتُب الصندوق ما قدَّمت الحكومة وآثارَها، وكل شيء يُحْصيه في تقرير مبين. حتى المناظرة الوطنية حول إصلاح المنظومة الضريبية التي سوف تنعقد في ماي القادم، لم يدخل الصندوق في “صندوق رأسه” إذ أَصرَّعلى أن يُدلي بدَلْوه، وأَوْصى بأن تكون الغاية منه هي تخفيض الدين العمومي إلى نسبة ٦٠٪ من الناتج الداخلي الخام. 


يضع الصندوق خريطة الطريق، يسهر على عملية تنفيذها من الألف إلى الياء، يراقب عن كثب آليات التدبير، وعندما لا يحصد الاقتصاد الوطني من”نماذج التوازن العام الديناميكي العشوائي” (DSGE)، التي يعْشقُها الصندوق، سوى المزيد من المؤشرات الحمراء فإنه، عوض أن يُراجع وصْفَته الوخيمة، يحُثُّ الحكومة على الإمعان في نفس الطريق المسدود، المحفوف بالمخاطر، المؤدي إلى اضطراب الأحوال، والزَّاجِّ ببلادنا في الأزمة المستفحلة. هل الكلام عن الجريمة الاقتصادية مُجانب للصواب؟ من المسؤول عن الفشل واستمراء الفشل؟ هل نُحاسب الصندوق الذي يَدَّعي أنه يُوصي ولا يُمْلي، أم من المفروض أن نُحاسب الحكومة التي تُشاوِر ولا تُخالفُ، تُذعِن ولا تُناوِئ، والتي تُلْدَغ من جُحْرٍ أكثر من مرَّتين؟

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.