همسة في أذن الوطن

0

محطة24 – بقلم نور الدين العوفي


المناظرة الوطنية للإصلاح الجبائي تندرج، حسب المذكرة التأطيرية الرسمية، ضمن الإعداد للنموذج التنموي الجديد.

هل يجوز التناظر حول المنظومة الجبائية، والشروع في رسم السياسة العمومية، والتفصيل في البرامج الاقتصادية، وتحديد المفاصل القطاعية، وبلورة الخيوط الإجرائية قبل التداول في الرؤية الاستراتيجية، الماكرواقتصادية، والاجتماعية والثقافية، والتوافق الشعبي حول الخيارات، والغايات، والأولويات؟ وهل يجوز أن نحصر التداول حول الشأن الجبائي، وهو شأن عام بامتياز، في المربع الضيق للخبراء والتقنوقراطيين، المغاربة منهم والأجانب، وفي بعض المؤسسات التمثيلية الرسمية. لا شك في أن الخبرة الوطنية مستوعبة للميكانيزمات التقنية التي تتطلبها عملية الإصلاح الضريبي، وللرهانات التي يواجهها الاقتصاد الوطني في سياق العولمة. لكن الإصلاح الجبائي المندرج في إطار المشروع التنموي الوطني الذي يتوخَّاه المغاربة بمختلف شرائحهم، وفئاتهم، وطبقاتهم، وبشتى أنواع حاجياتهم، ورغباتهم، واختياراتهم، لا يستقيم، بل ولا مشروعية له إذا لم يكن يشمل كافة الذين يعنيهم الأمر بالدرجة الأولى، وإذا لم يحض بالمقبولية من طرف المُلْزمين بالضريبة، والذين لا يتملَّصون من أدائها.


كادت المناظرة أن تتحول إلى سوق للمزاد، العلني والسري، يضم الفئات المتنفذة، والمستفيدة، واللوبيات الجشعة، والزاعقة. الكل يريد الكل، والكل يصارع ضد الكل من أجل النسبة الأقل والإعفاء الأوفر. المفارقة أن جل هذه “الكائنات الاقتصادية” المتدافعة حول كعكة الجباية، في المحصلة، هي التي تُصيبُ من الإنفاق العمومي النصيب الأكبر. بمنهجية المزايدة والمناقصة لن تتمخَّضَ المناظرة عن المنظومة الجبائية المستوفية لشروط النجاعة، والإنصاف، والحياد، والشفافية، والامتثال الضريبي.


ضَعُفَ الطالب والمطلوب. العدالة الجبائية تتطلب النجاعة، التي تتطلب توسيع الوعاء الضريبي، الذي يتطلب الامتثال الضريبي الذي يتطلب الكفاءة والصرامة من طرف الدولة في تحصيل الضريبة، بسواسية، على المُلْزَمين كافة، بلا استثناء، وهو ما يتطلب، في آخر التحليل، ومن الدولة بالذات تغليب المنفعة العامة على المنفعة الخاصة، وتقديم المصلحة الوطنية على الأفضلية الأجنبية. دون هذه الشروط لا تكون الجباية نافقة ونامية، بل كاسدة وفاسدة. يقول ابن خلدون عن “فساد الجباية” : “إن مُعْظم الجباية إنما هي من الفلاحين والتجار، لا سيما بعد وضع المكوس ونمو الجباية بها، فإذا انقبض الفلاحون عن الفلاحة، وقعد التجار عن التجارة، ذهبت الجباية جملة، أو دخلها النقص المتفاحش”.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.