النرويج.. إنتاج المحروقات يقوض جهود إرساء اقتصاد أخضر

0

محطة24 – وهيبة الرابحي و م ع

من حظر تدريجي للمركبات المزودة بالوقود، ومنع إزالة الغابات والإنتاج غير القانوني للفراء، إلى تحقيق 95 في المائة من توليد الطاقة الكهرمائية والحد من انبعاثات الكربون بشكل كبير… كلها إنجازات تدعو النرويج إلى التباهي بكونها نموذجا للبيئة.

مجرد نزهة عبر قلب مدينة أوسلو ستتيح لك اختبار تجربة هذا المنعطف الأخضر الذي يعيشه البلد الاسكندنافي بأكمله. من القصر الملكي إلى المحطة المركزية، مرورا بقلعة آكيرشوس القديمة، ليس هناك تواجد للسيارات تقريبا، باستثناء سيارات الأجرة بشكل نادر. وبدلا من ذلك، توسعت ساحات المقاهي والفضاءات الحضرية ومحطات الدراجات والعجلات الكهربائية ذات الشعبية كبيرة.

وبحلول عام 2020، ستكون جميع وسائل النقل المشتركة نظيفة. كما أن ميناء أوسلو يزيد بسرعة من وتيرة كهربته لتزويد السفن الكبيرة بالطاقة على المرسى، ولكن أيضا في وقت قريب بالنسبة للبواخر والعبارات الكهربائية بنسبة 100 في المئة.

ومع الابتعاد عن وسط المدينة، الذي يقع بين المياه الزرقاء لأوسلوفيورد والتلال الحرجية، يمكن للمرء أن يشاهد هذه السيارات الكهربائية المهيبة تتحرك بصمت. باتجاه الشمال تقع منطقة فولكان، التي شيدت بناء على مفاهيم الطاقة الحرارية الأرضية والطاقة الشمسية على ضفة نهر أكيرسيلفا، التي كانت صناعية في ما مضى.

وبالنظر إلى حرصها على الرفاهية والفضاءات الطبيعية التي يحافظ عليها سكانها بحرص شديد بفضل طرق إعادة التدوير الذكية، تضاعف أوسلو مشاريعها البيئية وتخطط لتقليل انبعاثاتها بنسبة 95 في المئة بحلول عام 2030، في الوقت الذي حددت فيه النرويج هدفا أقل ب 40 في المئة مقارنة بعام 1990.

وفي مواجهة هذا النجاح الملفت، يطرح سؤال مثير للاهتمام: من أين تأتي الأموال، التي سمحت لهذه المملكة البالغ عدد سكانها 5.3 مليون نسمة بإجراء انتقال أخضر سريع للغاية والذي بدا للوهلة الأولى أنه صعب الإنجاز؟ نحن في قلب “المفارقة النرويجية” لأن هناك شيكا أبيض وراء باقة المبادرات الخضراء موقعا بالذهب الأسود!

لقد تم بناء ازدهار النرويج، إحدى أغنى الدول في العالم، إلى حد كبير على استخراج الطاقة منذ اكتشاف حقول نفط شاسعة في بحر الشمال في الستينيات، والذي تستخدم مداخيلها لتمويل الصندوق السيادي للدولة.

وفي مارس الماضي، أعلنت النرويج عن طموحها لافتتاح 90 موقعا جديدا للتنقيب عن النفط قبالة سواحلها، بما في ذلك 48 في بحر بارنتس. وقبل شهرين، منحت البلاد بالفعل 83 رخصة تشغيل جديدة، مفتخرة بتحطيم رقم قياسي بعد افتتاح 102 موقعا للتنقيب في مارس 2017.

ووفقا لوزير النفط والطاقة كجيل-بورج فرايبرغ، فإن “هذا السجل الجديد يؤكد أن هذه الصناعة ستستمر في خلق قيمة في النرويج، والتي ستولد نشاطا اقتصاديا واكتشافات جديدة، وأيضا دخلا مهما للدولة”.

وفي هذا البلد الذي يمثل فيه قطاع الهيدروكربونات ما يقرب من نصف الصادرات، التي يتهمها البعض “ببناء هوية خضراء من خلال تصدير التلوث”، يبدو مثل هذا الإعلان خروجا من النفق.

وعلى مدار الخمسة عشر عاما الماضية، انخفض الإنتاج النرويجي، لكن من المتوقع أن يرتد المنحنى في وقت مبكر من هذا العام، ليصل خلال سنة 2023 إلى مستويات عام 2004، عندما بلغ الإنتاج ذروته.

ومع ذلك، فإن الطبقة السياسية تميل تدريجيا إلى تغيير المسار. ففي أبريل، قررت شركة البترول النرويجية التخلي عن استغلال حقل النفط الموجود في أرخبيل جزر لوفوتين. ومع ذلك، فإن الموارد الدفينة تتراوح بين مليار وثلاثة مليارات برميل لإمكانات اقتصادية تبلغ 65 مليار دولار.

والحجة التي تم تقديمها في هذا السياق، هي أن المحافظة على البيئة أكثر أهمية من ازدهار البلاد، في وقت يمارس فيه الرأي العام ضغوطا على الزعماء للحصول على تدابير ملموسة ضد ظاهرة الاحتباس الحراري.

قرار مهم آخر يأتي بعد شهرين من هذا الموقف. فقد تم التصويت على قانون “ستورتينغ” بالبرلمان النرويجي، الذي يصادق على قرارين من طرف وزارة المالية، والذي من شأنه تغيير معالم أكبر صندوق سيادي في العالم، المتواجد في أكثر من 9000 شركة ويتحكم في ما يعادل 1.4 في المئة من القيمة السوقية العالمية.

ويتعلق القرار الأول باستبعاد شركات النفط، وهو ما يشكل 134 شركة تمثل أصولا بقيمة 7 مليارات يورو. وإذا كان هذا القرار مدفوعا باعتبارات مالية بحتة، فإن انسحاب هذا المستثمر، الذي تبلغ أصوله أكثر من تريليون دولار، يُنظر إليه أيضا على أنه ضربة قوية لتلويث الوقود الأحفوري.

ويتعلق الاقتراح الثاني بتصفية أي شركة تستخرج أكثر من 20 مليون طن من الفحم أو أكثر من 10 جيغاواط من الكهرباء انطلاقا من هذا المصدر الأحفوري. مرة أخرى، يرسل الصندوق النرويجي إشارة قوية لفائدة الطاقة الخالية من الكربون.

وهذا ليس كل شيء. يمنح النص المعتمد أيضا مزيدا من المرونة للصندوق من أجل اولاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة، مثل مزارع الرياح أو مزارع الطاقة الشمسية، حتى قبل إدراجها في البورصة.

وليست هذه القرارات مرادفة للتغيرات في سياسة الهيدروكربون. فداخل حدودها، تواصل النرويج، انطلاقا من نهج براغماتي، التركيز على استغلال النفط والغاز، رغم المخاطر التي تقول إنها “تحت السيطرة”. وفي الخارج، تواصل تلميع صورتها كداعية للبيئة.

بفضل أموالها النفطية، تقوم أوسلو بتمويل ملايين المشاريع الرمزية في آسيا أو إفريقيا أو أمريكا اللاتينية: حماية الغابات الاستوائية في إندونيسيا، ومنع التصحر في الساحل… كما جمدت البلاد مؤخرا 30 مليون يورو موجهة للبرازيل، متهمة إياها بأنه “لم تعد ترغب في وقف إزالة الغابات” من غابات الأمازون المطيرة.

وبينما لا تدخر النرويج أي جهد لتقليل انبعاثاتها من الكربون مع دعم الجهود العالمية لحماية التنوع البيولوجي ومكافحة تغير المناخ، فإن تكثيف إنتاجها من المواد الهيدروكربونية يعد مثارا للنقد بسبب مخاطر فقدان بوصلة الانتقال الأخضر.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.