فاطمة الزهراء صلاح تكتب نوستالجيا البحث عن رقم 4 بفرنسا، ليبقي السؤال معلقا والعنوان مفقودا

0

فاطمة الزهراء صلاح

كانت ” باريس ” العاصمة الفرنسية ، أول وجهة قصدتها، في أول رحلة لي إلى الخارج، للبحث عما تبقى من تاريخ واسع العينين قبل و بعد وفاته . كان مشروع بحثي ! لم أخبر أحدا بذلك . سافرت، كأني عود ثقاب نحيل أتعبه الظلام ، وبداخلي عنوان واحد حفظته عن ظهر قلب : عنوان ” زوجك ” يا أمي !
كان سني ثمانية عشر سنة وكنت وحدي في عاصمة الموضة والأضواء وجامعة ” السوربون ” التي حلمت بالدراسة فيها. أخبرتك عائلته أنه ترك ثلاثة أولاد من زوجة فرنسية أحبها .. حلمت بمقابلة إخوتي منه لعل ذلك يشفي أنيني . لم أحمل ورقة تسجل عنوانه . حفظته من أول يوم وسكن ذاكرتي ! أردت النبش في تاريخي المعطوب وبقاياه ! النهايات محطات لا تنمحي من الذاكرة .
بمجرد وصولي إلى الفندق ، أخذت ” تاكسي ” فرنسيا نظيفا ، يرتدي سائقه هنداما ترتاح له العين . النظافة من الإيمان ، يقول جدي . لم يزعجني سائق التاكسي ، ولم يفرض علي سماع أية موسيقى، ولم يخرج لسانه من النافدة ليبزق على وجوه المارة ” بتنخيمته ” المعدية ! جلست على المقعد الخلفي . أسترق النظر إليه وأسقطه أرضا، حين يأتي دوره ليحقق في وجهي الثائر الفتي ،عبر مرآته الأمامية الصغيرة . وكان حوار صامت تتخلله عدة أسئلة، وسأكتشف ، بعد ذلك، لماذا؟ ويقشعر بدني كالقطة تحت ” دوش ” بارد .
يا فاطم الزهور، صاحت جدتي يوما : أصبحت شوارعنا ومدننا اليوم مزابل تدمي القلب ،ويندى لها الجبين . تكاثرنا وامتلأت بنا الأماكن . ولت أخلاقنا ومبادؤنا . أصبح شغلنا الشاغل ، هو البحث عن المصلحة الخاصة. تاهت قيم المدن والقرى وكل ما هو خارج بيتنا لا يعنينا . إنه زمن الرداءة ! نظرت إليها وأطرقت .
وصلت إلى زقاق ضيق في منعرج الشارع الكبير . رأيت المخابز والحلويات ، وكل الأجبان الفرنسية ، ولم أكترث ! لفتت انتباهي حافلة كبيرة للشرطة، ودور أبوابها مشرعة ، للعاهرات .تصيح المسنة الفرنسية وتستشهر محاسن ولذة الجسد البشرى . لم أكن أعرف أن العهر يستشهر في أزقة عاصمة حقوق الإنسان ، ومواثيقه . سأكتشف بعد ذلك في سفر أخر كثيرا من النساء معروضات كالسلع على واجهات زجاجية تجارية ،خاصة الدعارة ، في أزقة الفوانيس الحمراء ب” أمستردام “، عاصمة هولاندا . ويصيبني الذهول . أتساءل لم نلعب الأدوار ، ونخفي الدعارة وهي حاضرة في أماكننا ..
مشيت في الزقاق الفرنسي الذي لا نهاية له . تدثرني الحشمة والأسئلة . لماذا سكن هنا واسع العينين؟ أبحث عن الرقم 4 والخوف يرافقني ، والترقب يشتت عظامي ، والفرحة الغبية تغمرني . يمثل الرقم 4 ينبوع الطبيعة ، ويرمز إلى فصول السنة الأربعة وإلى العالم باتجاهاته الأربعة . أنا اليوم في رحلة الفصول ، ومبادئ الرياضيات الأولى . إنه البحث عن تاريخ واسع العينين الفرنسي ، والجواب عن السؤال . كانت أحلام الليل والبحث عن العنوان يظللان وحدتي، وأنا أنظر إلى أرقام المحلات . اقشعر بدني وأنا أقرأ رقم المحل أمامي ، أمام عيني ، 208 ! لقد بدأت الزقاق ” بالمقلوب وغادي يطول بيا الحال والوقت ولمكان . ” بدأته من آخره يا شرف الحدود ، ومشيت
كانت أنوثتي طاغية ومثيرة ، في حي العهر .. وسيجر علي هذا ويلات المحبطين .
هدفي واضح ” ف راسي .” أبحث عن المختفي . تركت مطار ” طرابلس ” بليبيا ، مزهوة بأجمل الملابس الإيطالية ، من شارع الاستقلال . كان الكعب العالي من ” روما ” يطقطق على الأرض ، ويفصح عن الغنى الفاحش الذي بدأت أتخبط فيه نظرا لمشاريع البناء التي يديرها زوجي في بلاد الذهب الأسود ودنانيره ! ينسدل شعري الحريري الطويل، ويميل يمينا وشمالا احتفاء بالجمال والشباب ، ومعلنا عن أحسن وأغلى مواد التجميل .
فاح عطري الفرنسي البرجوازي العتيق وجر نحوي، وأنا أمشي ، مغاربيا ساومني بأغلى الأثمان في جسدي وبفرنسية ركيكة . قال إنه سيطعمني في أرقى مطاعم ” باريس ” ب ” الحي الخامس ” و يشتري لي ” باكية ديال مارلبورو ” ليتمتع بأناملي الطويلة ، وأظافري المصبوغة ، وهي تشد على السيجارة الأمريكية بغنج . أنفث على وجهه ” ريحة لبلاد . ” ثم نشرب ” الويسكي ” بالنهار .
بعدها يرافقني إلى بيته بالحي المختلط ، حيث متجر ” تاتي ” ، المكتظ بالعمال ، الذين يقتسمون البيوت الضيقة ” الهاترة ” و المعطوبة مع أصدقائهم الكادحين . بعدها أسخنه وأخفف عنه الوحدة في فراش ضيق ..
أنظر إلى جسدي الغض ، إلى شعري البهي ، إلى كعبي الجلدى الحقيقي . تبرز حلمتا صدري من تحت سترتي . أطلق عليه رصاص الكلمات بالأمازيغية القبائلية . ” يضربو الضو ” يصعقه ! كان قبائليا مثلي ، ومن الأوراس .. أنتفض ، أسخن ، أبرد ، أرتجف ، أتسكع ، أبكي وأسأله عن الرقم 4 ! و لم يفهم !
يا ليته فهم الأنين ! الكل رخيص وغال ، في آن واحد ، من أجل ساعة واحدة تلتصق فيها الأجساد الغريبة . أنضج ” كبرتني ليام دغيا . ” أكتشف أن الرجل أكثر هشاشة من المرأة .
يرحل بي الزمن إلى رواية ” كانديد ” للأديب الفرنسي ” فولتير ” ، وها أنا في ” الإلدورادو ، ” النعيم الفرنسي وسط الغبن والسخرية والخيال . أتبع سراب الحلم المسروق المضني . أبحث عن سلام النفس، في عمق الروح .
كنت يا فاطم الزهور ، ” كانديدة ” الشابة المراهقة المتزوجة البريئة .. عاش ” كانديد ” ، وترعرع في منزل عمه ، الذي أسند تعليمه إلى أحد الأساتذة المرموقين حيث رسخ فكر التفاؤل وحسن النية داخله، مما عزله عن العالم الخارجي . وكذا فعل سكان درب ” كدان ” بك . دفع الأستاذ ” كانديد ” إلى رمي كل الأقنعة والاحتفاظ بسذاجته . توسمت أنا الخير ووضعت الثقة في الجميع حتى ” ضرباتني المطرقة القاصحة للراس . ” في هذه الرواية الفلسفية الخيالية ، يا فاطم الزهور ، هناك عدد من الأحداث التاريخية القاتلة التي تشبه حياة أمك وأبرزها حرب السنوات السبع ، ويبقى هول السؤال بالنسبة لأمك ، كان أطول .
نظرت إلى ذلك المنبوذ في دروب فرنسا ، وكررت : إني أبحث عن الرقم 4 .. أبحث عن تاريخ واسع العينين ، هذا الذي تخلى عن أمي ، وجعل من مسكنه نقطة سوداء في هذا المرتع البئيس .
ابتسم الجزائري الفرنسي ونظر إلى الشرطي ، رمز القوة الفرنسية في أماكن الشغب الكادحة الهشة ، خاف ثم اختفى كقط أليف . تابعت المشي ولم تنته الأرقام ، وأعين الرجال تتبعني، وتتساءل عن سر وجودي هناك . رفعت رأسي عاليا ومشيت في شارع الجنس والكحول ، لم أصدق عيني !
شغلت نفسي بالأمل ! بدأت أنظر إلى المراهقين ذوي العيون الواسعة . أي طفل واسعة عينيه أظنه أخي ، أتهيأ لحضنه ! فتتشبث بي فاطم الزهور، وتذكرني بالتزام الصمت والهدوء .
يا فاطم الزهور، لماذا تفرضين علي كل هذه الممنوعات ، وأنت هشة كالقشة ؟
كان الدرب الفرنسي مغاربيا بسكانه . يا شرف الحدود ، لماذا يكثر العهر والجنس في وسط العمال الكادحين في شوارع الغربة والزوجات بعيدات في انتظارهم مرة في السنة . يرون أطفالهم مرة في السنة . تكثر خصوبتهم شهرا في السنة . ونتمتع نحن بعملتهم الصعبة . تساءلت كثيرا عن رحم لا يعرف لذة الوصال ، ولا الحب. يا شرف الحدود ، إن البحث عن لقمة العيش خارج الوطن وحتى داخله ، تقتل المشاعر والكرامة ، وكل معاني الإنسانية . لماذا نحرق أوراق الهوية ونغرق من وراء الحدود ، و البحر واحد ويقال عنا “الحراقة ؟ “
مشيت وكل الحدود ترافقني في عاصمة احتلت وطني في السابق. ، أختال فيها حرة طليقة وأنا المراهقة . أمشي ، وأعد الأرقام والعد لا ينتهي ! وكأن الزقاق قرر أن يطول ليطول معه عذابي . وأخيرا وصلت ، وسيبطل العجب بعد أن أعرف سبب التخلي والاختفاء !
كنت حاضرة ،يا حبيبتي ، يا أمي ، في بحثي لأرد إليك الاعتبار ، وأنت لا تدرين ! كانت مساحات القلب محطتك وقصرك هناك حيث النبض . تجمع طقوسي ديانات كل العاشقين . كنت، كأني في مسيرة مليونية وأنا وحدي ، أبحث عن تاريخي وعن فاطم الزهور، في زقاق فرنسي مروع . أخيرا وصلت .
وقفت أمام باب زجاجي مغلق ، يخرج منه الرجال فقط . ذهلت ، وتهيأ لي أنه ماخور تقليدي يتسابق إليه الرجال، ولا يتعدى الوقت المخصص لهم خمس دقائق على الأكثر ، لقضاء حاجتهم و دفع الحساب . العاهرة لا تجمع رجليها ، والطلب كثير، و الطابور طويل .الوجوه لا لون لها . الملامح صامتة بدون تعبير .كأنها تنتظر دورها ، أمام مخبزة، تعود الى زمن الحرب العالمية الثانية .فالجنس كالخبز يستهلك ،ويمارس في الأزقة الباريسية في وضح النهار، والإشباع حر !
جمعت كل قوة شبابي وفورانه وهمة الجبال !. دفعت الباب لألتقي ببقايا أو بعض من واسع العينين . فأنا في حاجة للتعرف عن المختفي من خلال مساحته وزواياه . أتوقف هنيهة . أطيل النظر ! الموقف تاريخي ، ويستحق دقيقة إجلال . أكتشف أن المكان مقهى للشاي والقمار ، ولكل واحد حلمه !
يا أمي، العنوان عبارة عن مقهى !
بحثت بين الوجوه الفحلة وتوجهت نحو صاحب المقهى ، أسأله عن تاريخي ، فالعنوان ليس لبيت وإنما لمقهى تجتمع فيه اليد العاملة . صاحب المحل لا يعرف اسم واسع العينين، ولا وجوده !
أصرخ : لا يمكن . من هذا المحل، كتب آخر رسائله .
يا واسع العينين ، لماذا تموت مرتين ؟
يا واسع العينين ، فتحت ذراعي ، ومددت صدري الى السماء ، وصرخت أنا المولودة مرتين ، عشت تربتين وبجنسيتين ،وبين الحدود ، بعلمين ، هل وصلك أنين الحروف ؟ وفي الحالة استحالتان ، لا أنت ميت ولا أنت موجـود . الأسئلة تولد و تكثر وتفزع ، ترهب ، و تعبث بالزمن المجهول الملطوم ، في تلاطم أمواج البوح ، في فراغ الذات .
أنت الميت مرتين ، يا واسع العينين، وأنا في شارع لا يؤدي إلى هدف .
رفعت رأسي مرة أخرى ، ثم جلست على الطوار . انتحبت . كان يوم عزاء النفس . رميت بالكعب العالي على باب المقهى .. بقي السؤال معلقا، والعنوان مفقودا .. يا أيتها النفس ، اطمئني ! ترفض ، وأنتحب .
تأبط شرف الحدود ذراعي، تأوه : لا تبك يا جميلة الروح ، فأنت قد اخترت أن تلعني النفاق والكذب، وتفضحي من العلاقات المغشوشة والمريضة ،التي تتجول بيننا صباح مساء .. كل الخناجر والسيوف الحادة التي سعت إلى تمزيق إنسانيتك منذ ولدت ، تتحول إلى وصف قاس فاضح ، عار من التزويق والتنميق .. ليعلن أن الحقيقة ، وحدها تسطع ذات يوم ، وأن الجراح المريضة لن تشفى إلا إذا تعرت تحت ضوء الشمس ..
أنظر إلى فاطم الزهور ، يبتسم شرف الحدود ويتساءل : لماذا تقدمين، يا فاطم الزهور، الحياة بصيغة أخرى .. صيغة تفجرت من خلجات النفس بعد أن ضاق بها غمد الصمت .. تتعاملين مع كل هذا بالإيقاع الذي يراوح بين عزف الوجع وبين الحب والأمل .. تغردين يا فاطم الزهور، للجمال والأنوثة والحب ، فتكسيهم بهالة قدسية لا تخطئها العين .. تصورين الحرمان ، والبؤس فتمزقين كل الأكفان ، وتنقشين ،من دم الجراح ، حناء الطفولة المنسية ،على قارعة الزمن .
يا فاطم الزهور ، حتى عندما أرتمي في أحضان الليل ، أحس و كأن وخزا ينبش الماضي ، أعصر ذاكرتي ، أسترجع روحي ، لتكوني رفيقتي ، تحت مظلة الوطن المسروق ، يغزلنا الحنين ببطء، كوقع الهمس إلى أن يكتمل الشوق ، ويرقص طيفنا تحت الجفون المغمضة . نسترجع أحلام الطفولة ، نرتل تمائم الحب ، ترتعد الكلمات ، يصير الأنين هياماً ، والعشق رجفة يذوب الصمت ، ويشق الوجع جيبه ، تاركاً للحب المكان .
وقليل من الحب يكفي !

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.