الفصل 47.. صلب الديمقراطية دستوريا!!

0

محطة24 – بقلم :علي الغنبوري

اخطر ما يهدد التطور الديمقراطي ، هو إقفال قوس النقاش حول معيقات هذا التطور ، و اغلاق المنافذ المؤدية الى التفكير الجاد و المسؤول في كيفية الخروج من حالات الجمود و الخلل التي تخلفها الممارسة الديمقراطية القائمة ، بخلق هالة من القدسية حولها، و توجيه عدد من الاحكام النمطية الجاهزة ضد كل من يحاول الاقتراب من دائرة هذا النقاش.

الديمقراطية ،هي بناء مستمر ومتجدد ولا تخضع لمنطق الجمود المطلق غير القابل للتغير، فهي بحاجة دائمة الى مواكبة التطورات و المستجدات التي تظهر اختلالاتها و محدودية تطبيقها و ممارستها ، بما يضمن لها الفعالية و النجاعة في ارساء اهدافها و غاياتها .

اثارة النقاش حول الفصل 47 من الدستور ،ليس ترف فكري، او نقاش خارج السياق و الزمن السياسي،او كما يريد البعض ادخاله في زاوية المزايدات السياسوية الضيقة،بل هو نقاش يستمد ملحاحيته و ضرورته من الواقع السياسي المعاش ، و من الاختلال الديمقراطي الذي اظهره تطبيق هذا الفصل الدستوري ،و ما ترتب عنه من ضعف و ارتباك مؤسساتي بين.

جوهر الفكرة الديمقراطية ، يقوم بالاساس على تمكين الاغلبية من الحكم ، باعتبارها التجسيد الحقيقي لاختيارات غالبية الشعب، حيث يختار الشعب هذه الاغلبية من خلال انتخابات نزيهة و شفافة ،وتشكل هذه الانتخابات الالية الفعالة و الناجعة ، التي تمكن من فرز الاغلبية من خلال الاصوات المعبر عنها و المقاعد المتحصل عليها من طرف كل تشكيل من تشكيلات التمثيل السياسي للشعب .

و قد يختلف مفهوم الاغلبية من نظام سياسي الى اخر ، الا نها تبقى ذات صفة مطلقة داخل الانظمة البرلمانية ، فتشكيل الحكومة داخل النظام البرلماني مشروط بتوفر اغلبية مطلقة ، تتجاوز نصف المقاعد داخل المجلس التشريعي .

فالحكومة ملزمة بضمان اغلبية لها داخل البرلمان ، تمكنها من كسب شرعيتها ، و من تمرير برنامجها الحكومي و من ممارسة ادوارها ، بما يتوافق مع الروح الديمقراطية ، المؤسسة للنظام البرلماني .

توفر الاغلبية بالبرلمان ، غير مرتبط باحزاب متصدرة و احزاب متذيلة للسباق الانتخابي، بل هي مرتبطة بالاساس بخلق ائتلاف برلماني ، يفوق نصف عدد مقاعد البرلمان .

فلا يمكن ان نعتبر ان انتماء البرلماني الى الحزب المتصدر للانتخابات، يجعله ينفرد بالصفة التمثيلية دون باقي البرلمانيين المنتمين للاحزاب الاخرى ، كما لا يمكن ان نعتبر ان البرلمانيين المنتمين للحزب او الاحزاب المتصدرة انتخابيا هم التجسيد الحصري والوحيد للارادة الشعبية، فالبرلمانيين كلهم يشكلون التعبير عن اختيارات الشعب الديمقراطية ، التي مارسوها من خلال الانتخابات .

صحيح ان احترام المنهجية الديمقراطية، يقتضي، تعيين شخصية من الحزب المتصدر للانتخابات ،تسعى الى تشكيل الاغلبية من الاحزاب الممثلة في البرلمان ، لكن هذا التكليف لا يمكنه باي حال من الاحوال ان يتحول الى شرط حصري و غير قابل للتجاوز ، فربط تشكيل الاغلبية الحكومية بالحزب المتصدر للانتخابات ،يفرغ العملية الديمقراطية من جوهرها و يجعلها رهينة بيد طرف دون باقي الاطراف المشكلة لها ، و يحد من فعاليتها و نجاعتها .

و لعل ما عاشه المغرب خلال تشكيل الحكومة بعد انتخابات 2017، لخير دليل على هذا الاختلال الدستوري ، الذي تولد عنه “بلوكاج” ، فشل من خلاله حزب العدالة و التنمية المتصدر لهذه الانتخابات من ضمان اغلبية تمكنه من قيادة الحكومة .

و اذا كان المنطق الديمقراطي يقتضي فسح المجال لحزب اخر يستطيع تشكيل الاغلبية ، كما يحصل في معظم الدول الديمقراطية و الانظمة المشابهة للمغرب(اسبانيا نموذجا) ، الا ان الفصل 47 من الدستور المغربي ، يمنع ذلك و يربط ضمان الاغلبية بالحزب المتصدر للانتخابات ، مما مكن حزب العدالة و التنمية من اعادة تشكيل الحكومة و لو بشخصية اخرى ، و فرض على باقي الاحزاب الدخول في اغلبية حكومية مع هذا الحزب .

ربط تشكيل الاغلبية بالحزب المتصدر للانتخابات ، يجعل باقي الاحزاب خاضعة لسطوة و منطق هذا الحزب ، و يشل قدرتها على الفعل الديمقراطي السليم ،و يدفع الى تشكيل حكومات متنافرة و غير منسجمة ، تكون الضرورة الدستورية هي المحدد الوحيد لنشأتها .

ما ينص عليه الفصل 47 من الدستور ، يحول الحزب المتصدر للانتخابات ، الى حزب اغلبي ، و يمكنه من احتكار تشكيل الاغلبية التي لا يمكنها ان ترى النور الا من خلاله و عبر شروطه و تصوراته .

تصدر الانتخابات لا يعني باي حال من الاحوال الحصول على الاغلبية و احتكار تمثيل الشعب و اختياراته ، فاختيارات الشعب تحددها الاغلبية البرلمانية التي يتم تشكيلها من اكثر من نصف عدد مقاعد البرلمان .

استمرار الفصل 47 من الدستور بشكله الحالي ، هو حجر على الارادة الشعبية ،و لي لعنق الاختيار الديمقراطي ، و شل لحركيتة و تطوره ، و تحريف واضح لمنطق الاغلبية المطلقة التي تؤسس الركن المركزي للنظام البرلماني .

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.