الدكتور جواد مبروكي، خبير في التحليل النفسي للمجتمع المغربي

من المنطقي أن نرى آثار الشهادات الأكاديمية في عمل أصحابها. فمثلا نرى آثار شواهد الطبيب في مهارته العلاجية ونفس الأمر ينطبق على الجندي والمحامي والنجار والكهربائي والميكانيكي والمهندس. والحصول على الشواهد واللقب فقط بدون كفاءة في المهنة غير كاف. الشهادات تشهد على تحول الفرد من مستوى “طالب” الى مستوى “خبير” في ميدانه والمهارة في عمله تتطابق مع شواهده. لكن إذا غاب التحول رغم الحصول على الدبلومات، فما هي الفائدة من “اللقب” طبيبا كان أم كهربائيا؟

فإذا غاب تحويل سلوك من يدعي أن له “دبلوم المؤمن” أو لقب انتمائه لأي دين كان، أي غياب التغيير الظاهر في سلوكه وأخلاقه وفكره ومجتمعه، فما الفائدة من لقبه الدّيني؟ لا حاجة لنا بانتماء الفرد لهذا أو ذاك الدّين قدر ما نحن بحاجة لمن يساهم في تغيير مجتمعنا إلى مراتب أفضل من الحضارة المدنية والمادية والروحانية في آن واحد!

من المفروض لما نرى شخصا يدخل قريتنا أو مدينتنا، فإن سلوكه وأخلاقه يعكس تأثير الدّين عليه لدرجة أننا لا نستطيع أن نقول هذا الشخص مسلما أو نصرانيا أو بهائيا أو يهوديا أو بوذيا أو زردشتيا مثلا. نعرفه إذا من سلوكه الطيب وأخلاقه النبيلة وليس بلقبه الدّيني!
لا داعي للفخر بالانتماء لهذا أو ذاك الدّين إذا غابت دلائل التحويل الأخلاقي والمدني في معتنقيه وفي مجتمعاتهم. فلا يهمني اللقب الدّيني أكثر مما يهمني التحويل الملموس في الأعمال والسلوك.

المغربي تائه وحتى الأديان بتنوعها عجزت على تحويله إلى إنسان روحاني ومدني. العديد من المغاربة هجروا الدّين أو تحولوا إلى ديانات أخرى، القديمة منها والحديثة، ورغم ذلك وللأسف لا شيء يغير المغربي، ولا أي دين كيفما كان استطاع تغييره! بل المجتمع، يزداد تفككا والقيم الروحانية والمدنية تندثر يوما بعد يوم حتى أصبح الأستاذ يُعنَّف من طرف التلميذ داخل كعبة التعليم!

لا أعرف عائلة مغربية واحدة، وكيفما كان انتماؤها الدّيني، تعكس أيُّ أثر للقيم الروحانية. بل أجد المنافسة والنزاعات والحسد والأنانية مع غياب الوحدة والراحة والسعادة. كما أرى في المجتمع انعكاسا لآثار غياب الأمان والسلم والاحترام مثل الغابة، القوي يأكل الضعيف. فأين هي آثار كل هذه الديانات رغم أن معتنقي كل دين يزعمون أن دينهم هو الحل؟ أبدا، لا أعرف عائلة مغربية تغيب فيها الضغينة والعناد والحقد والنزاعات حتى بين الإخوة والأزواج. أين هي هذه الحقيقة؟ أين هي المهارات الأخلاقية النبيلة والروحانية؟ أين هي المحبة على أرضية الواقع؟

فما هي أسباب فشل أي الدّين كان، على تغيير المغربي وتحويله إلى إنسان مسالم وروحاني يعكس القيم الروحانية والمدنية؟ هل المغربي له مناعة تحميه من التأثير الدّيني؟ هل المغربي له قوى تكوينية معارضة لقوة الدّين؟

1- شخصية غير متوازنة: التربية المغربية العنيفة والسلبية والمدمِّرة للطفل، أنتجت مغربيا ضعيف الشخصية وفي حاجة للحماية، ومن أجل هذا الهدف يتشبث باللقب الديني كأنه في نادي رياضي لتكملة ما ينقصه في شخصيته.

2- غياب النضج العاطفي: تدمير شخصية الطفل تنتج تعثرا في نضج عواطفه ويبقى دائما في حاجة لتعويض هذا الضعف، والانتماء إلى الدّين يكون لغرض التعويض العاطفي.

3- الدرع الحديدي: شدة التدمير لكيان الطفل دفعته لحماية نفسه ونجاته (غريزة البقاء) إلى صناعة درع حديدي يحيطه بأكمله ولا شيء باستطاعته التسرب إلى داخله ولو كان ديناً.

3- العنف و الحكرة: تجعل الطفل يفقد الثقة في أي شيء ويبقى على حذر مستدام ولهذا تراه منغلقا تماما حتى عن الدّين.

4- البحث عن التعويضات: المغربي يرى نفسه ضحية للتربية وضحية المجتمع وضحية الدّين (مباشرة أو غير مباشر) ولا يستطيع أن يجد الاستقرار والطمأنينة ولهذا يفشل الدّين في تحويله لأنه يبحث عن التعويضات وهو لا زال في انتظارها وليس لديه أي استعداد ليجاهد في نفسه. في الواقع التربية المغربية تنزع من الطفل المسؤولية والنقد والاستقلال الذاتي.

5 الانتقام: يغمر المغربي هذا الشعور ومن الممكن أن يكون الانتقام حتى من الدّين الذي ينتسب إليه لأنه فشل في تعويضه وإخراجه من وضعية الضحية. فينتقم من الدّين الأصلي ليأخذ لقبا دينيا آخر طمعا في التعويضات (المعنوية والعاطفية وللاعتراف بوجوده). ورغم هذا الانتقال فهو ليس في استعداد لأي تحويل جذري لأنه فقد قدراته النفسية التي دُمِّرت في صغره.

لا بد للعلوم (النفسية والتربوية والسوسيولوجية والفلسفية) وللدّين (بكل تنوعه) أن يتعايشا ويتشاورا ويتشاركا كجناحي الطير لإيجاد خطط وبرامج مشتركة لإنقاد باخرة مجتمعنا قبل أن تغرق نهائيا.