محطة24 – عبد الحق الريحاني

 

كان لجمهور العاصمة بالمسرح الوطني محمد الخامس بالرباط، موعد  فني بامتياز، تمثل في لحظة من الزمن وصلت إلى ساعة ونصف من الفكاهة الهادفة والكوميديا الجادة، عبر عرض مسرحي بعنوان «علاش لا» التي وقعها وأخرجها الفنان المرموق عبد الإله عاجل، والتي اقتبسها عن الكاتب الروسي،  نكولا نور دمان.


هذه المسرحية الفكاهية الجادة شدت إليها الجمهور الحاضر بكثافة، وتتبع كل مشاهدها الممتعة، وتألق فيها عدد من الممثلين الذين جسدوا شخصيات هذه المسرحية التي كتبها المخرج عبد الإله عاجل بأسلوب مغربي بالدارجة العامية، ممزوجة أحيانا بخطابات باللغة العربية حين تستدعي الضرورة المسرحية ذلك.


تعالج المسرحية فكرة إقناع بوشعيب بالانتحار، بوشعيب الشخص البطالي الذي لا يشتغل، و يعيش عالة على عاتق أم زوجته ببيتها، و يعاني من التهميش والحكرة  و«البهدلة» لدرجة منعه من الأكل بدعوى أنه لا يساهم في المصاريف ولا دخل مادي له، وقام بهذا الدور الممثل الكوميدي محمد مهول وفي دور زوجته الممثلة جميلة شريق، التي رأيها من رأي أمها هذا الدور التي لعبته الفنانة المتميزة نعيمة إلياس.


ويحاول الفنان عبد الإله عاجل الفنانة نجوم الزهرة اللذان يمثلان قياديان حزبيان لحزب يسعى بشتى الوسائل لكسب الجماهير و لو بالكذب والضحك على الذقون و الافتراء و التمثيل على الشعب، و كل ذلك بطرق ديماغوجية، يحاول القياديان إقناعه في مشاهد المسرحية بالانتحار لكي يصبح بوشعيب بطلا ويسجل اسمه في التاريخ، باعتبار أنه وفي للمبادئ النضالية للحزب..، ويحاولان إقناعه بشتى الوسائل، كإغرائه بالمال، مع تنبيهه أنه سيصبح اسمه خالدا ورمزا للحزب، و يجب أن لا يفكر في أي شيء، حيث أحضرا له بطاقة الانخراط بالحزب، وقال بوشعيب « لكنني أنا لا أعرف لا سياسة ولم انخرط قط في أي حزب»، ورد عليه القيادي في الحزب عاجل «أنت من الآن منخرط في الحزب منذ أكثر من عشرين سنة، ولك تاريخ نضالي كبير في هذا الحزب» ودع لنا نحن كل شيء سنرتبه، حيث كتبوا له رسالة الانتحار التي سيتركها بجانبه حين سيضع حدا لحياته، وطالبوه بإعادة نقل الرسالة بخط يده، كما أحضرا له نص الوصية مكتوبا وما عليه إلا أن ينسخه هو الآخر بخط يده.


الكاتب والمخرج عبد الإله عاجل قام بكتابة المسرحية و قسمها على شكل مشاهد قصيرة يكون ما بينها  فاصل موسيقي جميل ورائع.. ، عبارة عن تقسيمات للعود من أيادي الفنان عبد الفتاح النجادي الذي قام بالجانب الموسيقى في هذه المسرحية.


تدور مشاهد المسرحية كلها في الليل، حين استيقظ بوشعيب من شدة الجوع يبحث عن «فخض ديال الديك الرومي بقي من وجبة الغداء»، وكل ذلك يدور في  منزل بوشعيب ذات الديكور الجميل والأنيق  الذي ينتمي للبيوت القديمة التي نجدها في المدن المغربية العتيقة، وكتبت هذه المشاهد بأسلوب كوميدي هزلي وأحيانا يمتاز بالسخرية وتارة أخرى يرسل رسائل اجتماعية و تربوية وسياسية دالة بشكل فني راق تحترم ذوق و ذكاء الجمهور.


وفي الوقت الذي يعاني بوشعيب المقهور في بيت أم زوجته، ويحاول قياديان حزبيان إقناعه بالانتحار لفائدة الحزب، يدخل عليه ببيته رجل بلحية طويلة بيضاء يرتدي لباس تقليدي يوحي بأنه رجل دين و قام بها الدور الممثل محمد العنقاوي، ويشرع هو  الآخر في إقناعه بأسلوبه «الديني» بفكرة الانتحار لفائدة جماعته و يظهر له مزايا الانتحار الذي سيقوم به.


وهكذا سيجد بوشعيب نفسه في وضع لا يحسد عليه، القهرة و الحكرة بسب وضعه الاجتماعي، والإغراءات المالية التي يقدمها له الحزب من اأجل أن ينتحر لفائدته في إطار الإخلاص للمبادئ الحزبية ثم مابين الانصياع للأفكار اللاهوتية و الخرافية التي غرسها في ذهنه رجل الدين.


وفي مشهد سيتم التقاء كل الإطراف التي لها مصلحة في انتحار بوشعيب أم الزوجة ورجل الدين والقياديان الحزبيان وسيحسمان في تاريخ الانتحار،  ليظهر بوشعيب في مشهد آخر يهدد بالانتحار زوجته وأم زوجته ويخبئ  فخض الديك الرومي وراء ظهر وكأنه يحمل سكين…. لكن في الأخير يستيقظ بوشعيب ليجد نفسه كان يحلم وكان ذلك حلما مزعجا بسبب الجوع الذي كان يطحن أمعاءه.


ويتضح جليا آن المسرحية طرحت موضوع استغلال الأفراد المسحوقين وذوي الظروف الاجتماعية من أجل خدمة مصالح حفنة من المحظوظين الذين يمارسون السياسة غير النبيلة أو رجال يدعون أنهم يمارسون الدين بشكل صحيح.