لماذا يسب المغربي ويلعن ألف مرة في الساعة؟

0

جواد مبروكي  محلل وطبيب نفساني

نلاحظ جميعاً في مجتمعنا تواجد السب واللعن في جميع المناسبات وفي جميع الأماكن وفي أي وقت وقد يكون تلقائيا بين شخصين أو أكثر أو في غياب الضحية. فالأفواه من الصغير الى الكبير تقذف بالسب واللعن والأخطر من هذا هو أن هذا السلوك  صار سلوكاً شائعاً  و كامل الاندماج في التواصل والحوار الاجتماعي كأنه شيء عادي ومحمود. لنحلل سوية هذه الظاهرة المدمرة للسلم والتعايش الإيجابي في مجتمعنا.

نرى أن الطفل ينشئ في بيئة يشتد فيها اللعن والسُّباب على مستويات عديدة. فالتربية المغربية عنيفة في أسلوبها اللفظي والمعنوي الذي يفوق في شدته العنف البدني المُمارس ضد الطفل. و في ذهنه لا يتقبل هذا الطفل كيف أن أعز شخصين لديه في الوجود و هما أمه و أبوه يقومان بسبه و لعنه و يتمنيان له الموت و الضرر له  بـمثل هذه العبارات التي يتكرر سماعها ليل نهار: “سير الله يلعن والديك” أو “الله يعطيك مصيبة” أو “الله يعطيك دقة دْسْبيطارْ” أو “أخْ تْفو الله ينعلها سْلعة” أو تْباتْ ما تْصْبَح المسخوط”……..

من هنا نرى بداية تكوين الصراع الداخلي في شخصية الطفل المغربي وتحطيم مسيرة نمو المنطق لديه وإعطاب قدرته على حب نفسه والثقة فيها. فهو  يتساءل في حيرة عميقة  “كيف لإنسان يحبني أن يسبني و يعاملني بقسوة في آن واحد؟” وهذا ما يفسر لنا زعزعة  شخصية الفرد وسرعة غضبه وفورية السب واللعن في حياته اليومية لأنه غاضب على نفسه و ساخط على المجتمع بأكمله لدرجة أنه يرغب في اقتناص أقرب فرصة للهجرة والابتعاد عنه.

و هكذا يفقد الطفل الثقة في محيطه الأسري ثم في مدرسته ثم في مجتمعه لأنه يتعرض في كل هذه الأماكن للسب واللعن.

وتزداد الأمور تعقيداً وتناقضاً في فكر الطفل حينما يلاحظ أن الدروس الدينية تحثُ على الأخلاق الحسنة والكلمات الطيبة التي لا تجرح النفوس ويتباهى بها الآباء والكبار على العموم ولكنها تغيب عن أرضية ممارساتهم  الفعلية بحيث يُلاحِظ بذكائه في هذا السلوك النفاق و الكذب ثم يسمع في آن واحد الكبار و هم يُذكرونه بأن الكذب والنفاق حرام عند الله ويتوعدونه بجهنم إن هو خالف تلك الفضائل المزعومة.

علماً أن للطفل منطقاً نزيهاً وبريءً فهو يتألم لعدم استيعابه كيف للسان الكبار أن يلهج بذكر الله و آياته ثم في نفس الوقت يتدنس ويتلطخ بإطلاق اللعنات و الفُحش من الكلام القبيح؟ إن الطفل يتألم دون أن يشعر به أحد من عالم الكبار لأن منطقه السليم يُسحق سحقاً و يعجن عجناً لكي يمر في القالب الفكري العام السائد ويتحول بالتالي إلى منطق مُعوق واعوج.

لهذا لا نرى في مجتمعنا إلا إعادة نتاج الأجيال الماضية بشكل أسوء وكيف لنا أن نتقدم فكريا بمثل هذا المنطق المُعوج؟

وتزداد الأمور تعقيداً في ذهن الطفل وتختل شخصيته ويحترق منطقه السليم ويتم استبداله بمنطق اعوج بما يسمع من السب واللعن في دينه في حين أن مجتمعه  بأكمله يفتخر بهذا الدين، بل تزداد الحال سوءً لأنه لا يفهم إن كان اللعن يقصده أو يقصد والديه أو ملته أو دينه أو دين والديه أو ربه..؟ لنأخذ مع كامل الاعتذار للقراء الكرام بعض عبارات اللعن الشائعة على سبيل المثال “الله يلعن ولديك” أو “الله يلعن دينك” أو “الله يلعن دين أمك” أو “الله يلعن دين ملتك” وفي المنطقة الشرقية يتفشى سب أخطر من هذه العبارات بحيث يصل سقف السب و اللعن إلى الاله نفسه فنسمع مثلاً “الله ينعل دين ربك“. ويتساءل الطفل “لماذا نطلب من الله أن يلعن شخصاً أو يلعن الدين الذي يدين به الشخص و هو الدين الذي أرسله الله للناس كافة ولماذا ندمج الله في هذه اللعنات ولماذا نلعن الدين الذي يفتخر به المجتمع؟” تساؤلات كثيرة لا أجوبة عليها ولكن مع ذلك  لدي تحليل لهذا السلوك وأفضل أن تضعوا عليه أصابعكم بالسعي أي بإيجاده بأنفسكم حتى يكون له اثر عليكم وينتج تغييراً في حياتكم.

تَراكُم تشمئزون من هذه العبارات لأنها وُضعت في كلمات مخطوطة بحيث تؤلمكم وكأنها غير واقعية وأنا آسف عن هذا وهدفي هو أن نغير جميعا سلوكنا ونعيد النظر في ثقافتنا المجتمعية وفي نهج تربية اطفالنا ونرافقهم في نموهم الشخصي  بسلوكيات سليمة وبالكلمات الطيبة مع كامل العناية بتنمية منطق ثقافي نزيه . فما الجدوى من الافتخار بالانتماء الى دين ما اذا انعدم تاثيره في اخلاقنا وسلوكياتنا لكن اذا ضاعفنا الجهود في تطوير الأخلاق في المعاملات وتحويل الدروس الدينية الى حيز الأعمال الطيبة اليومية فلا شك أن مجتمعنا سيصبح فخوراً بسلوكنا وآنذاك سيرى أطفالنا التناغم والانسجام بين أقوالنا وأفعالنا ونضمن بالتالي للطفل بيئة صحية تربوياً تساعده على تنمية شخصية متزنة ووثيقة الثقة بنفسها . أما المُؤشر الدال على نجاح هذا المشروع فهو غياب السب واللعن من ثقافتنا الحياتية التي لن تجد نصيراً أعظم من الكلمة الطيبة.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.