الأخلاق والبديل الاقتصادي

0

بقلم نور الدين العوفي


هل لدى حزب العدالة والتنمية “رؤية اقتصادية” واضحة المعالم، شاملة لمناحي الحياة الاقتصادية، متكاملة، ومنسجمة مع المصادر الفكرية والإيديولوجية التي ينهل منها، ومنها يستمد شرعيته السياسية؟ هل للحزب “اقتصاد سياسي” يميزه عن باقي الأحزاب السياسية الوطنية، ويُوجِّه السياسة العمومية التي هي، في ظنِّه، الأصلح للبلاد، والأنفع للعباد؟ لا أخفيك أيها القارئ أنني بحثتُ، واستنْبأْتُ، بغية التَّزوُّد، إلا أنني لم أجد ما يُقيم الرمق. حتى المنشورات التي خاض بها الحزب حملاته الانتخابية لا تكاد تُسْعِف على استنباط المنظور الاقتصادي المؤطر للبرنامج الاقتصادي الذي بناءً عليه تمكَّن من الفوز مرتين لقيادة الحكومة. برنامج لا يخرج عن المألوف، ناسخ لبرامج أخرى مملوءة بالوعود والعهود، مفتقرة لشرط المعقولية، والإنجازية. هل يكفي الرجوع إلى”المرجعية الأصلية”؟ فرضية “الاقتصاد الإسلامي” فيها نظر، لأن ما نجده في التراث الإسلامي من “نوازل المعاملات” هي، من حيث البنية الفكرية، تصُبُّ في منزلة “الفقه الاقتصادي”، ولا تستوفي، إبستيمياً، الشروط الضرورية لإنتاج “الاقتصاد السياسي”، بتحديد المعنى، الذي، كما نعلم، لن تكتمل قوانينه المعرفية سوى في القرن الثامن عشر.

المرجعية الإسلامية التي يُوظِّفها حزب العدالة والتنمية، سياسياً، منظومة أخلاقية، قيمية، تهُمُّ السلوك، والتصرُّف، تنْهَى عن الفساد، تحُثُّ على الصلاح، تحُضُّ على الإحسان، وتأمر بالتعاون. في آخر التحليل، الأخلاق مهزومة أمام المنافع والمصالح، والله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. أما حرب الحزب على الفساد فإنها لم تقع، كما أن سيف الإيتيقا ظلَّت في غِمْدها. 


حزب العدالة والتنمية يتوسَّم ب”البراغماتية” التي هي (كما سبق القول في تدوينة سابقة، ٣ فبراير ٢٠١٩) مُواقعةٌ للواقع، أي وقوعٌ فيه، ورُكونٌ إليه، وخُضوعٌ له، ليس إلا. جُلُّ السياسات الاقتصادية التي نفَّذتها الحكومة الحالية والسابقة (المقاصة، التقاعد، التعاقد، إلى غير ذلك) لا يمكن إسنادُها سوى إلى المرجعية المعتمدة من طرف المؤسسات المالية الدولية، وهي مرجعية نيوليبرالية، هدَّامة للتوازن الاجتماعي، لا تُثْمر عدالة، ولا تُنْتِج تنمية. يبدو أن الحزب منهمك بدوره في إعداد تصوُّر حول “النموذج التنموي الوطني”، وأن من بين مفاصله الرئيسية :”قيم العمل والتعاون”، “تعدُّد مصادر النمو”،”التنمية البشرية”،”تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية”. هل ستتمخَّض “الخبرة الاقتصادية” للحزب عن “رؤية بديلة” لما درج على تطبيقه حتى الآن من سياسة عمومية تكاد تميل كل الميل إلى خدمة المصلحة الخصوصية؟ بين العدل والتنمية خيط رفيع لا تحكُمه الدعوة الأخلاقية، بل ما يمُدُّه ويشُدُّه هو الاقتصاد السياسي. كتاب “ثروة الأمم” لآدم سميث يجُبُّ مُصنَّفه “نظرية العواطف الأخلاقية”.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.