محطة24

 

بعد أكثر من عام على عملها وسط أجواء لم تخل من أزمات سياسية، تقف حكومة سعد الدين العثماني اليوم أمام سيناريوهات عديدة، يلوح بعضها بإجراء تعديل وزاري، فيما تنذر أخطرها بحجب الثقة عنها وإسقاطها.

 

سيناريوهات بدأت تتشكل، عقب تقديم لحسن الداودي، الوزير المنتدب المكلف بالشؤون العامة والحكامة، استقالته من الحكومة، على خلفية مشاركته في وقفة احتجاجية لعمال شركة حليب طالتها حملة مقاطعة شعبية لمنتجاتها.

 

تضاف إلى ذلك تصريحات لبعض قيادات حزب الأصالة والمعاصرة، أعربت من خلالها عن نية الحزب رفع ورقه حجب الثقة بوجه الحكومة، وإسقاطها.

 

أحداث متسارعة اجتمعت لترسم معالم توتر سياسي قد لا يجد بوادر انفراجة إلا عبر ورقة سحب الثقة من الحكومة، وإن كان نجاح تلك الورقة في تحقيق هدفها مرهون بمتطلبات دستورية لا تستطيع المعارضة تلبيتها في الوقت الراهن.

 

أزمة سياسية صامتة

 

عمر الشرقاوي، أستاذ العلوم السياسية بـ”جامعة الحسن الثاني” بالمغرب، اعتبر، أن المغرب يشهد اليوم “أزمة سياسية صامتة”، تتطلّب البحث عن حل للخروج من هذه الأزمة، مشيرا إلى أن طلب حجب الثقة يمكن أن يشكّل “مخرجا” لهذه الأزمة.

 

لكن الشرقاوي استبعد مع ذلك نجاح تلك الورقة أو ما يسمى دستوريا في المغرب بـ”ملتمس الرقابة” في تحقيق هدفها استنادا إلى التاريخ المعاصر للمملكة بهذا الشأن.

 

إذ شهدت التجربة البرلمانية في المغرب تقديم ملتمسين للرقابة، الأول عام 1964 والثاني عام 1990، ولم يؤدّ أي ملتمس منهما إلى إسقاط الحكومة، نظرا للقيود الدستورية التي تعرفها هذه الآلية السياسية.

 

فالدستور المغربي يمنع لأعضاء البرلمان إمكانية تفعيل طلب حجب الثقة وإسقاط الحكومة، لكن شروط تفعيل هذا الملتمس المتمثلة في ضرورة توقيعه من قبل خمس أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 395 عضوا (أي 79 عضوا)، وتصويت المجلس بأغلبية مطلقة (50%+1 أي 198 عضوا)، عوامل تجعل من إمكانية نجاح هذا السيناريو “أمرا مستبعدا”.

 

من جانبه، رأى عبد الرحيم علام، أستاذ القانون الدستوري بـ”جامعة القاضي عياض”  في مراكش ، أن حملة مقاطعة بعض المنتجات، التي انطلقت مؤخرا في المغرب، إلى جانب الأجواء السياسية التي تعيشها البلاد، من أبرز الدوافع التي جعلت بعض قيادات حزب “الأصالة والمعاصرة” يلوحون باللجوء لهذه الإمكانية القانونية (حجب الثقة).

 

ومنذ 20 أبريل الماضي، تتواصل في المغرب حملة شعبية لمقاطعة منتجات ثلاث شركات في السوق المحلية، تبيع الحليب والماء والوقود.

 

وتستهدف الحملة غير المسبوقة، شركة لبيع الوقود يمتلكها وزير الفلاحة، عزيز أخنوش، وشركة للمياه المعدنية تمتلكها مريم بنصالح، الرئيسة السابقة للاتحاد العام لمقاولات المغرب، وأيضا شركة فرنسية للحليب.

 

“نجاح مستبعد”

 

ومعقبا أيضا على إمكانية نجاح ورقه حجب الثقة من الحكومة في تحقيق هدفها، قال علام: “إذا كانت المعارضة اليوم لديها النصاب القانوني لتوقيع وتقديم ملتمس الرقابة، فلا أتوقع بالمقابل أن يكون لديها النصاب لإسقاط الحكومة، إلا إذا استطاعت المعارضة الحصول على تأييد بعض أحزاب الأغلبية لهذا المقترح”.

 

طرح لاقى تأييدا من الشرقاوي الذي لفت إلى أنّ “مجرد تفعيل ملتمس الرقابة يعتبر أمرا متاحا، ذلك أن حزب الأصالة والمعاصرة يمتلك 102 من إجمالي مقاعد مجلس النواب (395)، وهو ما يشكل أكثر من خُمس أعضاء المجلس”.

 

إلا أن التصويت على هذا المقترح وإسقاط الحكومة يظل، حسب الخبير، “أمرا متعذرا، طالما أن أحزاب المعارضة المغربية مجتمعة عاجزة عن تحقيق الأغلبية المطلقة المتمثلة في 198 من أصل 395”.

 

وتبقى إمكانية اصطفاف بعض الأحزاب المكونة للأغلبية الحكومية إلى جانب حزب الأصالة والمعاصرة لإسقاط الحكومة، “أمرا مستبعدا” أيضا، حسب علام الذي يُرجع ذلك إلى “فتور علاقة بعض هذه الأحزاب مؤخرا مع الأصالة والمعاصرة” مثل حزب “التجمع الوطني للأحرار”.

 

ويضيف أنّ “أحزابا أخرى لن تضحّي بحقائب وزارية ومكاسب لم تكن تحلم بتقلدها، مثل حزب الاتحاد الاشتراكي (يساري مشارك في الائتلاف الحكومي)”.

 

وحسب علام، فإنه “لا ينبغي استبعاد حقيقة أن يكون تلويح (الأصالة والمعاصرة) بتفعيل (ملتمس الرقابة) مجرد مزايدات سياسية، ودعاية انتخابية مبكرة، خاصة مع تجديد الحزب لقيادته ورغبته في تدشين دخول جديد للساحة السياسية”.

 

ضبابية ما بعد الحكومة

 

توازيا مع النقاش الدائر حول حجب الثقة وإمكانية تقديمه من عدمه، تفجر جدل آخر حول مرحلة ما بعد إسقاط الحكومة، في حال حجب الثقة عنها، خاصة مع عدم تحديد الدستور المغربي لإجراء معين في هذه الحالة.

 

حكومة تكنوقراط، أو إجراء انتخابات برلمانية مبكرة، أو إعادة تكليف شخص من حزب “العدالة والتنمية” (قائد الائتلاف الحكومي) لتشكيل حكومة جديدة.. سيناريوهات متعددة تضج بها الساحة المغربية توقعا لمرحلة ما بعد حكومة العثماني.

 

خيارات يرى الشرقاوي أن دستور المملكة الدستور لم يحسم فيها، وهو ما يمكن أن يحول “ملتمس الرقابة” من إمكانية للحل إلى إشكال في حدّ ذاته حول ما سيرتب عن هذا الملتمس من ضبابية في المشهد.

 

فيما يرى علام أن “الخيار الممنوح دستوريا في حالة إسقاط الحكومة، هو إجراء انتخابات جديدة، وهذا بالتأكيد ما لا يصب في مصلحة السلطات؛ نظرا لما قد يترتب عن ذلك من عزوف الناخبين عن صناديق الاقتراع، خاصة في ظل حملة المقاطعة التي تشهدها البلاد حاليا”.

 

الأناضول