الارتسامة الثالثة: سياق مشحون.. وملفات حارقة

0

محطة24 – بقلم بن يونس المرزوقي

عند تسلمي لمهامي كان النقاش العمومي حادا.. أولا حول قبول الاتحاد الاشتراكي مبدأ التناوب التوافقي.. ثم حول استمرار إدريس البصري في تولي وزارة الداخلية.. ثم حول تشكيل حكومة تضم ما كان يُطلق عليها “الأحزاب الإدارية”.. ثم حول “وزارات السيادة”.. ثم حول حدود صلاحيات الوزير الأول والحكومة في دستور 1996..
وبالموازاة مع ذلك، أصبح المشهد الحزبي ضبابيا نتيجة انتقال الاتحاد الاشتراكي من المعارضة للتدبير الحكومي ومعه التقدم والاشتراكية، جبهة القوى الديمقراطية، الحزب الاشتراكي الديمقراطي.. مع مواقف “مُؤيدة” (منظمة العمل، العدالة والتنمية)..


لذلك.. لم تكن هناك معارضة حزبية حقيقية (إلا من داخل الاتحاد الاشتراكي نفسه.. وهذا موضوع آخر سنعود له في حينه).. أو من الصحافة التي ستأخذ اسم “الصحافة المستقلة” والتي ستتولى ملء الفراغ بالقيام بدور “المعارضة”..

في ظل هذا الجو.. بدأت أستأنس بالعمل.. وسكنني هاجس “ضرورة” إنجاح عمل حكومة التناوب التوافقي.. كان ذلك نتيجة قناعات مُتعددة المصادر.. أولها ذو طابع ذاتي شخصي.. فقد كنت قد دافعت رسميا عن الإصلاحات الدستورية بمنظور مُعين في اللقاء التاريخي لحزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي ومنظمة العمل (سنة 1992).. وبالتالي طبيعي جدا أن اعتبر أن نجاح الوزير الأول في تدبيره للعمل الحكومي سيمون بمثابة رد على من كانوا يُهاجمون وجهة نظري من زاوية كون المغرب لا يتوفر على أطر وكفاءات قادرة على تسيير الحكومة..
وكان هناك السبب الحزبي.. فقد كنا آنذاك في الحزب الاشتراكي الديمقراطي نُؤمن بهذا التجربة “التوافقية” التي طالما نظرنا لها.. ودافعنا عنها..

عند تسلمي لمهامي كانت الوضعية كما يلي:
من جهة أولى، تطلعات شعبية وجماهيرية تنتظر.. ووسائل إعلام مُتنوعة تُتابع أعمال الحكومة عن كثب..
ومن جهة ثانية، حكومة كانت تضم وزراء بكفاءات أو تخصصات مُعينة.. وفرق برلمانية قادرة على ترجمة البرامج الحزبية إلى نصوص تشريعية.. ودواوين تضم أطرا حزبية مُستعدة لإنجاز المهام الموكولة إليها..

جيد..
بقي الآن أن نُحدد بعض المواضيع التي كانت محط نقاش عمومي ومؤسساتي في هذه المرحلة التي ستدوم إلى غاية استحقاقات 2002.. وهي مواضيع كثيرة سأعلج منها ما يسمح به المجال..
كانت المواضيع ومجالات الإصلاح مُتداخلة.. لا يُمكن فصل بعضها عن البعض الآخر.. وكانت الصعوبات تكمن في أن الوزارة الأولى آنذاك كان عليها أن تعمل في إطار دستور 1996..
لنتأمل هذه العناوين: الملف الحقوقي.. ملف الموقوفين والمطرودين.. إصدار النصوص اللازمة لتطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين.. تعديل قوانين الحريات العامة.. تحسين وضعية المرأة.. الشباب.. الطفولة.. الاهتمام بقضايا مغاربة الخارج.. مراجعة القوانين ذات الصبغة المالية.. تقليل حجم الدين الخارجي.. تحسين وضعية الفئات الهشة.. إصلاح نظام التقاعد.. إيجاد نظام للتغطية الصحية الإجبارية…
وبالموازاة مع ذلك.. القيام بحملة “هجومية” قصد محاصرة البوليزاريو في كل الدول التي لنا معها علاقات جيدة.. أو تلك التي نستطيع إقناعها.. والتحضير للتفاوض حول شروط جديدة لملف الصيد البحري مع الاتحاد الأوروبي…

كل الملفات كانت حارقة..
وكان الأستاذ عبد الرحمان يوسفي يُشرف على ذلك بنفسه..
وكان سنده في بداية ولايته الدعم الملكي في شخص المرحوم الحسن الثاني.. فهو وحده الذي أزاح عنه على الأقل حدة تحركات “جيوب المقاومة”.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.