120×600
120×600

فقه الحمير .. مرويات من دفتر تدجين الأجيال

0

محطة24 – بقلم سعيد جعفر

“لولا الفقراء لضاع العلم” أتذكر جيدا أول مرة سمعت هذه العبارة، ولا زلت كلما تذكرت العبارة أو ذكرت أمامي أو سمعتها أتذكر اللحظة بتفاصيلها بل وأتحسس شخوصها و أسمع وقع كلماتها.

كنا في قسم الخامس ابتدائي وكنا مقبلين على اجتياز الامتحان الاشهادي، كان معلمنا رجل غشاش لا يقوم بأي جهد وغالبا ما كان يكلف أحدنا بكتابة السبورة حد الامتلاء لنعيد النقل في دفاترنا طيلة الحصة ويبقى هو مشغولا بأوراق “التيرسي” و”اللوطو”.
كنا في الغالب أبناء درب واحد أو دربين من الدروب الفقيرة بوادي زم ويبدو أنه تم تجميعنا في هذا القسم عند هذا الأستاذ لأن اقسام أخرى كان يدرس فيها أبناء أطباء ومحامين ورجال سلطة ومعلمين.

ولأن هذا المعلم لم يكن يقوم بواجبه فقد كنا نقوم بتصرفات شيطانية كأن نتناوب على رمي الأوراق ب”الكارطونة” ونحن حفاة أو نلعب نوعا من الورق مقابل اقلام أو ملونات أو عجين، وكان البعض منا يلعبون لعبا أخرى.
أتذكر مرة أن أحد التلاميذ طلب من المعلم شرح الدرس فعاقبنا المعلم جميعا وكان رد فعلنا غير متوقع لأن عددا منا هرب من القسم والتحقنا بالساحة.
أخبر التلميذ والده الذي جاء للادارة محتجا.

زوال نفس اليوم جاءنا المدير الى قاعة معلم آخر، أنبنا على احتجاجنا واقلالنا الحياء في حق الاستاذ، وقد كان يظهر لي في تلك اللحظة أن المدير والمعلمين متحالفون لأن المعلم الثاني أخبرنا بأن زميله معلم جيد.

وفي لحظة بعد ان انتهى المدير من التأنيب أخرج مدفعيته الدينية والثيولوجية لاقناعنا.
قال بالحرف أنه “لولا الفقراء لضاع العلم وأن الله يحب الفقراء”.
عندما أنهى المدير كلماته صفق المعلم وتبعناه بموجة من التصفيق كقطيع من الحملان وخرجنا مزهوين كجنرالات ربحوا لتوهم معركة كبيرة.
ومنذ تكلم المدير صرنا منفوخين نتخيل أنفسنا محبوبي الله و مقربيه وأننا لا نحتاج أي جهد ما دام الله يحبنا نحن الفقراء.
بل أن البعض منا تكونت له قناعة أننا سننجح حتى ولو لم نحفظ ونعد للامتحان، وقد انخرطت في هذا الوهم الثيولوجي لولا أنه أنقدتني صفعة من الوالد أطال الله عمره يقول لي “آش هاد الخريف والله ما قفلتي لا فورتي”.

وفعلا بدأت تمرينا شاقا في حفظ دروس اللغة العربية والتربية الإسلامية ومواد أخرى لا أتذكرها بتفصيل حيث كنت أحرث المسافات ما بين الثكنة العسكرية بوادي زم و السور الخلفي لنادي الصناعة التقليدية.

بعد الامتحان هبت الأمهات و الآباء والتلاميذ لمعرفة إن كان رقم أبنائهم واردا في سبورة النتائج أم لا.

أتذكر جيدا كان رقم امتحاني هو 92 وكان واردا في وسط السبورة، وبعد ذلك علمت أننا فقط ثلاث تلاميذ من نجح و انتقل إلى القسم الموالي تلك السنة.

وتأكدت أن ما رماه مدير المؤسسة من كلام ديني كان فقط فقها للحمير حتى نساق دون وعي، وأن الذين نجحوا جميعهم تقريبا هم أبناء الأطباء ورجال السلطة والمحامين ورجال التعليم و مستخدمي المكتب الشريف للفوسفاط…

وأن العلم استثمار مالي لا يعترف بالفقر و أن الفقراء ليسوا مقربين الى الله.

غذا عبارةالرائعة الوالدة الشهيرة التي “بنجت” بها مع ملايين الفقراء ” كول لعدس راه فيه لحديد”

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.