التنمية البشرية والمناعة المعرفية .. الذكرى 16 بسيدي سليمان

0

محطة24 – الحسين بوخرطة

حلت الذكرى 16 لإعطاء الانطلاقة للمشروع الريادي إفريقيا “المبادرة الوطنية للتمنية البشرية“، المجسد لرهانات الألفية الثالثة، يوم 18 مايو 2021، حيث تم الاحتفاء بهذا الحدث الهام بمدينة سيدي سليمان في احترام تام للاحترازات الوقائية بقاعة الاجتماعات الكبرى بعمالة سيدي سليمان تحت رئاسة السلطة الإقليمية، وبحضور عدد من الفعاليات الثقافية والإعلامية وممثلي منظمات المجتمع المدني. لقد تم إعلان إعطاء الانطلاقة للمرحلة الثالثة من هذا المشروع باستحضار الإرادة الواضحة لمناوأة كل الممارسات التي نجحت في تغليب الذاتية في التدبير والاستفادة، وبالتالي إفراغ بعض البرامج نسبيا من مدلولها ومضمونها ومعانيها النبيلة.

إن قوة فلسفتها النظرية في مجال التنمية القطاعية وتأهيل وتكوين الرأسمال البشري، مكنها من احتلال موقع جد هام في السياسات الترابية محليا وإقليميا وجهويا، بحيث بوأتها بنيتها المؤسساتية (التقنية والإدارية والمالية) مرتبة الرافعة للتحديات في مجال محاربة الفقر والهشاشة، وتشييد الجسور التواصلية المنتجة بين الدولة والمجتمع بفئاته المتضررة. إنها المكانة البارزة التي كانت وراء الاعتراف الوطني والدولي بنجاح المبادرات العمومية المغربية لمواجهة انتشار الوباء الوبيل كوفيد19.

برؤية ثاقبة، رفعت الدولة خلال سنتي 2020 و2021 شعار ” جميعا متحدون ومعبئون للتخفيف من أضرار جائحة كورونا ومواصلة مسيرة تنمية الرأس المال البشري” ونجحت في ذلك بامتياز. لقد تم رصد اعتمادات مالية بصفة استثنائية، وتم تسخير كافة مراكزها، ومواردها البشرية ووسائلها اللوجستيكية، هادفة إنجاح التدابير والإجراءات الوقائية قصد محاصرة الوباء من جهة، والتخفيف من آثاره على مستوى عيش المغاربة.

لقد مر المشروع في إقليم سيدي سليمان، كما في باقي الأقاليم والعمالات، من مرحلتين أساسيتين راكمت الدولة على إثرهما خبرة ثرية من شأنها أن تضمن الارتقاء في الأهداف والمرامي (برامج وحصائل) في المرحلة الثالثة. لقد منحت بنيتها المؤسساتية في الفترتين السابقتين سلطة القرار للجن الإقليمية تحت رئاسة السادة عمال وولاة المملكة، لينحصر نظريا دور أقسام العمل الاجتماعي في التدبير الإداري والكتابة والأرشيف. كما لعب في ذلك المنتخبون أدوار الوساطة في التشخيص والانتقاء.

فعلا، تعددت الجمعيات والوداديات والتعاونيات والمقاولات في مختلف الجماعات الترابية، واستفاد من اعتماداتها عدد كبير من الفاعلين من المعطلين حملة الشهادات والدبلومات، وكذا عدد هائل من النساء والرجال في مختلف الدواوير القروية والأحياء الحضرية. فمنذ 2005، أسست الدولة المغربية بالفعل نسقا مؤسساتيا جديدا حقق الامتداد بالقوة اللازمة إلى عمق واقع الفئات المجتمعية في مشمول التراب الوطني بقراه ومدنه، مشيدة بذلك الأبواب الموصدة أمام رواد الاستغلال السياسوي والعقائدي للفقر والهشاشة والتهميش.

إنه مسار كرست من خلاله الدولة السيادية أدوار الدعم والحماية والرعاية للمواطنين محاولة التقليل من ممارسة التمييز والزبونية، لتجد نفسها تعانق منطقا جديدا لتجسيد مقاربتي القرب والمشاركة من خلال مواقع إبداعية زودتها باستمرار بالعبر والدروس. لقد نجح العديد من المستهدفين في تنمية مشاريعهم وفشل آخرون أو استحوذوا على أموال عمومية بالباطل والتدليس والابتزاز. لقد استفادت الأسر في العالم القروي من مشاريع تربية الماعز والأرانب والأبقار والنحل وزرع الأشجار المثمرة (الزيتون، التين، اللوز،…). واستفاد المعطلون من الدعم المالي لإنشاء مقاولاتهم الإنتاجية والخدماتية والتجارية، ومن تأسيس مدارس وإعداديات وثانويات ومكتبات ومخبزات، ومحلات لحرف الصناعة التقليدية المختلفة …. مرت ستة عشر سنة من الممارسة التدبيرية الإدارية والمالية، وتم إقرار مرحلة تأمل تقييمي قبل إعطاء الانطلاقة للمرحلة الثالثة التي ستستهدف الطفولة والشباب بأفق التجويد العالي لمنظومتي التربية والتعليم، وترسيخ الثقافة المقاولاتية لدى الشباب، وتوطيد قيم التضامن والتعاضد والتكافل والعمل التشاركي وتنمية القدرات الإنتاجية داخل المجتمع المغربي.

كيف ما كانت النتائج التقييمية في هذا المنعطف الانتقالي الهام من عمر هذا المشروع، تبقى المنفعة بارزة على العموم. لقد استفادت الدولة في مجال السلم الاجتماعي، وحققت فوائد جمة في مساعيها لسبر أغوار التفاعل ما بين الفئات المستهدفة والتأهيل المؤسساتي التنموي للدولة. إنه الاستنتاج الذي يجب أن يفضي، برسائله ووقائعه التشخيصية، إلى ارتقاء منهجي وتفعيلي، بتحويل الترابط الجديد ما بين المجتمع المدني ومنصة الشباب والدولة إلى صروح للتفاعل المؤسساتي الراقي، والذي يعول عليه مع مرور الوقت لتحقيق الفاعلية القصوى المطلوبة للبعد التربوي الصرف في إنتاج الجودة في السلوك والتفكير والإبداع والوطنية في المجتمع، وبالتالي تعبيد الطريق للتقاطع والتلاقح بين النظري والعملي في الفعل العمومي التنموي.

فخطابات جلالة الملك نصره الله في السنوات الأخيرة كلها توجيهات راقية جدا بإيحاءاتها ودلالاتها الوطنية، توجيهات حققت فعلا للبلاد القدرة على الاستباق عربيا وإفريقيا (مواجهة كوفيد 19، التغطية الصحية، الحماية الاجتماعية، حقوق المرأة والطفل). الإنماء التربوي بمناهجه ووسائله التكنولوجية في الفلسفة الملكية، الرافع لشعار التعلم للجميع من المهد إلى اللحد، والحريص على قوة الارتباط ما بين الجامعة والتنمية والسياسات العمومية، والحاث على تماسك انشغالات الأسر والمؤسسات التعليمية، هو القاطرة التي ستعبر بها المملكة المغربية بيسر وسلام إلى بر الأمان والاندماج في التطورات الكونية بمجتمع عارف ومتضامن ومتراص.

وعليه، يتضح من خلال الإشارات المؤسساتية أن الشوط الثالث من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سيكون له طعم ومنطق جديد، منطق لا يترك أي هامش لذرائع الضغوط التدبيرية للتكيف مع الانزلاقات والتجاوزات في التمويل وانتقاء نوعية المشاريع وطبيعتها وتركيبتها التقنية والاقتصادية والمالية.

إن قيمة الرهان والتحديات في هذا المجال تفرض نقاشا وحوارا جادا ومستمرا يفضي في نهاية المطاف إلى أرقى مستويات التناغم ما بين الأرقام (عدد المستفيدين، الاعتمادات المالية، المشاريع المبرمجة والمنجزة، ….) والوقع على المجتمع (النضج المجتمعي، المعرفة والمردودية الفردية، السلوك المدني، سبر الشباب لأغوار المعرفة والبحث لعلمي، الإبداع الفكري والأدبي والفني، التنشيط الاقتصادي وتنافسية القطاعات المنتجة ….).

فاكتساب المعنى والنفحة الوطنية لتدارك هفوات الماضي القريب، ومن تم تعبيد الطريق لتراكم النتائج والحصائل بالوثوقية المطلوبة، يبقى مرتبطا إلى حد بعيد بمناقشة النقط التالية، واستنباط الاستنتاجات من خلالها على أساس مؤشرات دقيقة وواضحة تزكي التقدم اللافت الذي حققته المملكة، وهي تناضل بكل ما لديها من قوة في بداية العشرية الثالثة من العهد الجديد، لتثبيت مقومات المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي بمنطق النماء:

  • في مرحلتها الثالثة (المبادرة الوطنية للتنمية البشرية)، ينتظر الرأي العام في مختلف الوحدات الترابية بالإقليم أن تتوج مرحلة الإعداد ببلورة مشروع كامل ومتكامل يعبر على التقائية مؤسساتية إقليمية قوية، فكرية وعملية ومالية، تساهم في تكريسها كل القطاعات الحكومية ذات الصلة بالأفكار والموارد المالية الضرورية. المشاريع المستقبلية يجب أن تتغذى بالمعاني النبيلة ذات الوقع القوي على حب الانتماء الترابي والوطني.
  • التعويل على تحقيق تشخيص موضوعي ودقيق لأوضاع الطفولة والشباب إقليميا، تشخيص لا يترك أي هامش للنيل من مبدأي المساواة والاستحقاق. حب المغاربة لوطنهم وملكهم ومؤسساتهم ستتضاعف بشكل ملفت كلما تذوق المواطنون طعم الحماية والعناية وتساوي الفرص والتمتع بقوة ارتباط الكفاءة بالجهد والإنجاز والقدرة والمهارة والملكة.
  • تحقيق التناغم ما بين مواكبة المقاولة وحاملي المشاريع وترسيخ الثقافة المقاولاتية عند الأفراد والجماعات وتوطيد رصانة وديمومة الأفكار التنموية وتنشيط الحياة الاقتصادية الترابية، وبالتالي تجاوز القدرة والإنتاج العادي إلى الإبداع فيه بشخصيات مغربية رصينة وحكيمة.
  • التركيز على التكوين المستمر لكونه الباعث والمجسد الأساسي لكفاءة المناصب القيادية للمشاريع العمومية والخاصة في التدبير العملي اليومي، والمجدد للحماس الذي يؤدي إلى استمرار الترقي في حيوات الأفراد والجماعات روحيا وفكريا ومعيشيا.
  • مواكبة إدماج الفئات الأكثر هشاشة في النسيج الاقتصادي هو مرادف للنجاح في خلق الأسرة الفاعلة والمسؤولة والعارفة في المجتمع. فبرأي ابن باديس “إذا علمت ولدا فقد علمت فردا وإذا علمت بنتا فقد علمت أمة. أما برأي المنفلوطي” علموا المرأة لتجعلوا منها مدرسة يتعلم فيها أولادكم قبل المدرسة، وأهلوها ليتربى في حجرها المستقبل العظيم”. وهنا لا يحفى على أحد أن منطق تطور المجتمع والدولة المغربيين قد وصل إلى قناعة لا محيد عنها تتجلى في ربط التقدم بإشباع روح وضمير المتعلم بالزخات اليومية الكافية من النباهة والذكاء والحرص والاجتهاد.
  • فلسفة التربية والتعليم يجب أن تجسد الحديث النبوي الشريف “لأن تغدو فتتعلم بابا من العلم خير من أن تصلي مائة ركعة”، بل هي أفضل من الشهادة في سبيل الله والصوم كذلك “يوزن مداد العلماء بدم الشهداء يوم القيامة”.
  • الكدح المتواصل لتغذية الشأن التدبيري والقانوني بالغنى الفكري والعلمي وتوطيد قوة العلاقة الترابية ما بين العالم والمدبر وتجاوز التمويهات التقنوقراطية المفضوحة. فرهان تنحية العداوة فيما بينهما بمساطر وبرامج دقيقة ومستدامة، سيؤدي يقينا إلى تفنيد مكائد ودسائس رواد المغتنمين من ذلك. النظام الملكي المغربي لم يعد يعير أي اهتمام لما يثيره الفاسدون من مخاوف، معرقلين فيما مضى النوازع المؤسساتية لفرض روادع صارمة ضد المتعودين على تسليط الاستهزاءات والأذى على المثقفين النزهاء، وتهميش كل المبادرات المعرفية طبقا للقاعدة “الناس أعداء ما جهلوا. فليتألم ذلك العالم لما يفعله أولئك الجهال بأنفسهم ومجتمعهم”.
  • رفع تحدي ترسيخ ثقافة التعلم مدى الحياة في المجتمعات المحلية من خلال أرضية معرفية بآفاق مضبوطة. فبرامج المبادرة في عمقها تتوخى فلسفيا هذا الهدف من باب الوعي الراسخ للدولة كون التوقف عند حد معين من المعارف سيصبح بمرور الزمن وتطور العلم بسرعته القياسية، سيصنف الأفراد في عداد الجهال. فالعلم لا سقف له ولا قاع، ويمتد امتداد الكون في اتساعه وعمقه وحجمه المتسامي إلى ما لا نهاية.
  • شعار “الطفل يحتاج إلى المعلم الراشد الناضج” يجب أن يترجم ميدانيا بتفرغ الآباء والأمهات والأولياء لشؤون عائلاتهم والتضحية من أجل ذلك، وتذوقهم السعادة العارمة في مسار تحقيق النتائج المرضية. إن صاحب الجلالة، في منهجيته المدروسة المستحضرة لإكراهات البلاد الاقتصادية والمالية والثقافية، يطمح، بأقواله وتدخلاته التوجيهية وحرصه الشديد على تحقيق النتائج بمردودية عالية في صراع مع الزمن، إلى تحويل المؤسسات التعليمية والأسرة وفضاءات التنشئة المختلفة إلى نسق تربوي عام ومتكامل منظورا ورؤية وبرامج تفعيلية، ومرتع للتعلم الدائم بمعنويات عالية مغمورة بالسرور والانشراح.
  • العمل بدون كلل أو ملل على تعويد الأجيال على القراءة وخلق مناخ ترابي تثقيفي تنافسي دائم تتعدد فيه وتتنوع الحوافز والجوائز والهدايا والمنح للمتفوقين. على المغرب في هذا الباب أن يمتلك مشروعه الخاص في مجال تحدي القراءة.
You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.