محطة24 – منير الشرقي

 

اختار الموت مرة أخرى أن يختطف عزيز الوديع، بعد فترة قليلة على تقاعده المهني ..فجر أمس كان الخبر مفجعا لأسرته الصغيرة و لعائلته الكبيرة ، جميع رفاقه من مختلف الأطياف السياسية و الحقوقية و النقابية تلقوا الخبر بدهشة وبمرارة أيضا .. لم تسعف كل الأيادي الرحيمة في أن تعيد الخفقان إلى قلبه والحرارة إلى جسده المنهك العليل …عزيز الذي ظل طوال حياته عنوانا للجلد و الصبر و الصمت البليغ، انتقل إلى جوار ربه بعد أن أعطى «بكرم زائد» جزءا من دمه ومن حريته لسنوات الرصاص، ذاك الشاب اليافع الذي خرج إلى الحياة حالما بالغد الأفضل، وجد نفسه وهو ابن 17 سنة من عمره بين زنازن المخافر و المعتقلات السرية …ليقضي زهرة أيامه بين جدران سجن عين علي مومن والسجن المركزي بالقنيطرة بإدانة ثقيلة رفقة صلاح بلغت 22 سنة سجنا نافذا …!!

خاض عزيز صحبة رفاقه إضرابا بطوليا عن الطعام من أجل الحق في الزيارة والكتب والجرائد …45 يوما كانت كافية لتنهار قواه وينقل إلى غرفة الإنعاش عسى أن يستعيد الحياة وهو أجدر بالحياة …

عزيز استعان على مقاومة محنته بالسجن بالكتابة الساخرة .. كان إصداره الأول « سرقنا ضحكا « صنف جديد من أدب السجون الذي يستعين بالكثير من التفاصيل المؤلمة داخل الجدران الباردة ليحولها إلى لحظات انتشاء ضاحكة بأسلوبه المرح الذي يشبه قلبه الكبير الذي كان يتسع للجميع … كما صدر له كتاب « تأملات فلسفية « ترجم من خلاله رؤيته إلى الكون و الحياة ..

عزيز الوديع …كان استثنائيا في صمته وفي ألمه …كان عصيا على لحظات الضعف أو الهون مهما كبرت ….طاقة نادرة من التحمل كان …أو هكذا اختار أن يكون…

عاش عزيز بين أحضان الآسفي وثريا، بيت كان قبلة لكل رموز النضال الوطني، ..من هنا صنعت قرارات كبرى، كان هناك عبد الله ابراهيم ، عبد الرحيم بوعبيد ، عبد الرحمان اليوسفي ، سعيد بونعيلات ، الحاج عمر الساحلي، مولاي العربي العلوي، عمر بن جلون، محمد اليازغي، نوبير الأموي …و اللائحة طويلة … فتح عزيز عينيه على أحداث مؤلمة ومحطات تاريخية كان لها أثرها الكبير على المغرب المعاصر، لذلك اختار أن يكون في صف القوى الحية المنتصرة للديمقراطية وحقوق الإنسان من أجل مغرب جدير بأبنائه …

كان لعزيز أيضا تجربة مهنية بصحافة الاتحاد …فبعد اشتغاله إلى جانب والده بجريدة «فلسطين» التي صودرت بداية السبعينيات، انتقل بعد خروجه من السجن إلى تعزيز الطاقم الصحفي لجريدة «ليبراسيون» الناطقة بالفرنسية …
وداعا أيها العزيز …ستظل جديرا بحرقتنا …جديرا بدمعنا …جديرا بحبنا الكبير .. لك صادق العزاء بثينة ابنته الوحيدة …و لإخوته و أخواته ، صلاح ، أسماء ، توفيق ، خالد ، جمال ، وفاء، الصبر الجميل …